في خطوة تهدف إلى تعزيز الوعي القانوني لدى رواد الأعمال والمبتكرين الشباب، قدّم الدكتور بيار الخوري، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة سيدة اللويزة (NDU)، ورشة عمل تطبيقية بعنوان «العدالة الرقمية: تلاقي القانون والذكاء الاصطناعي»، ضمن فعاليات Experia 2026 في «الفوروم دو بيروت».
وجاءت الورشة لتسلّط الضوء على أهمية التكامل بين القانون والتكنولوجيا، ولا سيما في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي واتساع استخداماته في قطاعات التكنولوجيا المالية والطبية والتعليمية والطاقة المتجددة والصناعات الإبداعية. واستهدفت رواد الأعمال الشباب، مقدّمةً لهم إرشادات عملية لحماية ابتكاراتهم وتنظيم مشاريعهم قانونيًا وتعزيز فرص نجاحها في الأسواق.
والدكتور الخوري خبير في الملكية الفكرية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومستشار لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) التابعة للأمم المتحدة ومجلس أوروبا.
استهلّ الدكتور الخوري مداخلته باستعادة تجربته في مجال قانون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كندا قبل نحو 25 عامًا، حين كانت التشريعات تسعى إلى مواكبة التحولات التي أحدثتها ثورة الإنترنت. وأوضح أن التحدي ذاته يتكرر اليوم مع الذكاء الاصطناعي، لكن بسرعة أكبر وتداعيات أكثر تشعبًا.
وشدّد على ضرورة أن يواكب القانون التطور التكنولوجي، بدلًا من أن يأتي لمعالجة المشكلات بعد وقوعها، معتبرًا أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ابتكار الحلول أولًا، ثم الالتفات إلى الأسئلة القانونية لاحقًا. وأكد أن إدماج الاعتبارات القانونية منذ المراحل الأولى للمشروع لا يعرقل الابتكار، بل يوفّر له الحماية ويعزز فرص استمراره ونموه.
وفي ما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي، دعا إلى اعتماد مقاربة مسؤولة تقوم على حماية البيانات والمدخلات، والتدقيق في المخرجات، والحفاظ على الرقابة والمسؤولية البشرية في اتخاذ القرارات، فضلًا عن مراجعة شروط الاستخدام والتعاقد مع مزوّدي الخدمات الرقمية.
وتطرّق الخوري إلى أهمية حماية الأصول الفكرية والتكنولوجية منذ انطلاق المشروع، داعيًا رواد الأعمال إلى تحديد عناصر القيمة التي يمتلكونها، سواء أكانت علامات تجارية أو هويات رقمية أو اختراعات أو تصاميم أو برمجيات أو محتوى إبداعيًا أو معرفة فنية سرية.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين الأصول المملوكة للمشروع وتلك المستخدمة بموجب تراخيص، وتحديد المعلومات التي يجب الحفاظ على سريتها. كما نبّه إلى أن دفع ثمن خدمة أو الحصول على ملفات مشروع لا يعني بالضرورة امتلاك الحقوق الفكرية المرتبطة بها، ما يجعل وضوح العقود وتحديد الملكية أمرين أساسيين.
وحذّر من الكشف العلني عن الأفكار والابتكارات قبل دراسة سبل حمايتها، موضحًا أن عرض مشروع في معرض أو فعالية عامة قد تترتب عليه آثار قانونية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمتطلبات تسجيل بعض حقوق الملكية الفكرية.
كذلك، شدّد على أهمية تنظيم العلاقة بين المؤسسين، وتحديد صلاحيات القرار والتوقيع، وإبرام عقود واضحة مع المتعاونين والشركاء. وأكد أن امتلاك نموذج أولي ناجح لا يكفي وحده لضمان الجاهزية القانونية للإطلاق التجاري أو الدخول في مفاوضات مع المستثمرين.
وفي الجانب العملي، عرض الدكتور الخوري منهجية «الملفات السبعة»، التي تهدف إلى مساعدة أصحاب المشاريع على توثيق حقوقهم وتنظيم مستنداتهم القانونية، وتشمل:
- العلامة التجارية: تحديد الهوية التجارية وسبل حمايتها.
- النطاقات والهوية الرقمية: توثيق ملكية النطاقات والحسابات والأصول الرقمية.
- التكنولوجيا والمنتج: تحديد الحقوق المرتبطة بالتكنولوجيا والمنتجات المطوّرة.
- حقوق المؤلف والمحتوى: تنظيم ملكية البرمجيات والمواد الإبداعية والمحتوى.
- العقود والملكية: توضيح الحقوق والالتزامات بين المؤسسين والمتعاقدين والشركاء.
- التراخيص وحقوق الغير: التأكد من احترام حقوق الآخرين واستيفاء متطلبات الترخيص.
- الاستراتيجية والجاهزية للمستثمرين: تجهيز الوثائق اللازمة للتفاوض والاستثمار والشراكات.
ولضمان الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، اقترح الخوري برنامج عمل متدرجًا يبدأ خلال 48 ساعة بحصر الأصول وجمع المستندات، ثم تخصيص سبعة أيام لمراجعة الأولويات وتحديد الثغرات، وصولًا إلى خطة تنفيذ ومتابعة خلال 30 يومًا.
وتقوم هذه المقاربة على قاعدة واضحة: «أولوية واحدة، إجراء واحد، مسؤول واحد»، بما يمنح كل مشارك خطوة عملية محددة، ومسؤولية واضحة، ومهلة زمنية للتنفيذ.
وفي سياق تعزيز الدعم القانوني للمشاريع الناشئة، كشف الدكتور الخوري عن عمله على تطوير «العيادة القانونية» في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة سيدة اللويزة، من خلال فريق متخصص في الملكية الفكرية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وتهدف المبادرة إلى توفير مواكبة قانونية مجانية للشباب اللبناني ورواد الأعمال، ومساعدتهم على حماية أفكارهم وعلاماتهم التجارية وابتكاراتهم، وتوجيههم إلى المتطلبات القانونية التي ينبغي مراعاتها خلال مراحل تطوير مشاريعهم وإطلاقها.
وقد استقبل فريق العيادة أصحاب المشاريع والمبتكرين في جناح الجامعة (B3-B4) طوال أيام معرض Experia 2026، على أن تستمر خدماتها بعد انتهاء المعرض.
وأكد الخوري أن الاستثمار في قدرات الشباب اللبناني ومواكبتهم قانونيًا بات ضرورة لتعزيز فرص الابتكار والنمو. فالتكنولوجيا الحديثة تتيح أمامهم إمكانية تطوير أفكارهم داخل لبنان والوصول بها إلى الأسواق العالمية، شرط تأمين الحماية القانونية اللازمة والاستعداد للتفاوض والترخيص وإقامة الشراكات عبر الحدود.
وتجسّد هذه المبادرة توجهًا نحو جعل المعرفة القانونية جزءًا أساسيًا من منظومة الابتكار وريادة الأعمال، بما يساعد على تحويل الأفكار الواعدة إلى مشاريع أكثر حماية واستدامة وقدرة على المنافسة دوليًا.





























