لم تعد المنشورات الغريبة التي تغزو منصات التواصل الاجتماعي مجرد ظاهرة عابرة، فخلف الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات التي تبدو أحيانا بلا معنى، يقف عالم متنامٍ من الحسابات والشخصيات التي يصنعها الذكاء الاصطناعي ويديرها.

هذا المشهد أعاد إحياء نظرية «الإنترنت الميت»، التي تفترض أن الفضاء الرقمي يتجه تدريجياً إلى فقدان طابعه البشري، مع سيطرة المحتوى الاصطناعي والخوارزميات على ما يشاهده المستخدمون ويتفاعلون معه.

ظهرت النظرية بين عامي 2020 و2021 في منتديات إلكترونية، وتوقعت أن يصبح الإنترنت مساحة تهيمن عليها الروبوتات والمنشورات المولدة آلياً، بدلاً من المحتوى الذي ينتجه البشر.

ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، تجاوزت الفكرة حدود نظريات المؤامرة، لتدخل النقاشات البحثية والأكاديمية، خصوصاً مع تزايد الدراسات التي تتناول التفاعلات الاصطناعية وتراجع حضور التفاعل البشري على المنصات.

من أبرز مظاهر هذه الظاهرة ظهور شخصيات افتراضية تمتلك وجوها وحركات وأساليب تواصل تبدو واقعية إلى حد كبير، وتنجح في جذب أعداد ضخمة من المتابعين.

وبعض هذه الشخصيات لا وجود لها في الواقع، بل تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي وتدير حساباتها، فيما تحقق انتشاراً وعوائد مالية من الإعلانات والتعاونات التجارية.

ولم يعد الأمر مقتصراً على المؤثرين الافتراضيين، إذ امتد إلى البودكاست والمحتوى التعليمي وطلبات التوظيف، وحتى الأبحاث الجامعية، مع تزايد الاعتماد على الأدوات الذكية في الكتابة والإنتاج والتقييم.

لا تتوقف المخاوف عند احتمال انتشار حسابات وهمية أو محتوى مضلل، بل تمتد إلى جودة المعلومات التي ستعتمد عليها الأجيال المقبلة من أنظمة الذكاء الاصطناعي.

فهذه النماذج تتدرب على بيانات متاحة عبر الإنترنت، لكن مع تزايد المحتوى الذي تنتجه الآلات نفسها، يبرز خطر دخولها في دائرة مغلقة، تتعلم خلالها من محتوى اصطناعي قد يحتوي على أخطاء ومعلومات غير دقيقة.

ويحذر الباحثون من أن الاعتماد المتكرر على هذه البيانات من دون تدقيق قد يؤدي إلى تراجع جودة النماذج وتكرار الأخطاء، فيما يعرف بظاهرة انهيار النموذج.

رغم أن الإنترنت لم يتحول بالكامل إلى فضاء تديره الروبوتات، فإن التوسع في إنتاج المحتوى الاصطناعي بات يطرح تساؤلات جدية بشأن مستقبل التفاعل الرقمي ومصداقية المعلومات.

وبين مؤثرين لا وجود لهم، ومنشورات تصنعها الخوارزميات، ومحتوى تعيد الآلات إنتاجه وتداوله، يبدو أن الإنترنت يمر بتحول غير مسبوق.