ماذا عسانا أن نقول عن الممثل اللبناني سعيد سرحان؟ من أين نبدأ الحديث عن ممثل اجتمعت فيه الموهبة والأخلاق والشغف، حتى أصبح حضوره في أي عمل درامي إضافة حقيقية لا يمكن تجاهلها؟.

ربما نبدأ من الإنسان قبل الممثل، من أخلاقه العالية التي يشهد له بها كل من اقترب منه أو عمل معه، ومن تواضعه الذي يسبق حضوره، ومن ذلك الاحترام الذي يتعامل به مع زملائه ومع كل من يحيط به. فالفن، في نهاية المطاف، لا يصنع نجومًا حقيقيين بالموهبة وحدها، وإنما بالمعدن الأصيل أيضا.

أما الحديث عن موهبته التمثيلية، فله حكاية اخرى، سعيد سرحان من الممثلين الذين لا يكتفون بأداء الدور، بل يعيشونه. يقترب من الشخصية بكل تفاصيلها، يبحث في دوافعها وانفعالاتها، ثم يمنحها شيئًا من روحه، فتخرج إلى الشاشة نابضة بالحياة. ولهذا السبب، يصعب على المشاهد أن يرى سرحان في شخصياته بالطريقة نفسها، فهو قادر على الانتقال من شخصية إلى اخرى، ومن حالة درامية إلى اخرى، دون أن يفقد هويته كممثل، بل على العكس، يثبت في كل مرة اتساع أدواته وقدرته على التنويع.

إنه ممثل يعرف جيدا أن التمثيل ليس مجرد حفظ للنص أو إلقاء للحوار، بل إحساس وتفاصيل ونظرات وصمت وحضور. وربما هنا تحديدا تكمن قوة سعيد سرحان، فهو يعرف كيف يقول الكثير من دون أن يتحدث، وكيف يجعل المشهد يعيش في ذاكرة المشاهد حتى بعد انتهائه.

وإذا كان بعض الممثلين ينجحون في تقديم شخصية واحدة أو نمط محدد من الأدوار، فإن سعيد سرحان اختار أن يذهب أبعد من ذلك. لم يحصر نفسه في قالب، ولم يسمح لنجاح شخصية أن يجعله أسيرا لها، بل واصل البحث والتجربة والتنقل بين الأدوار، وكأنه في تحد دائم مع نفسه قبل أن يكون في مواجهة مع الجمهور.

واللافت في مسيرته أن الشغف لا يزال حاضرا بقوة. فمهما راكم من خبرة وتجارب، يبدو وكأنه لا يزال يتعامل مع كل شخصية جديدة باعتبارها فرصة جديدة لإثبات نفسه واكتشاف مساحة مختلفة من موهبته. وهذه تحديدا صفة الممثل الحقيقي، أن يبقى شغوفا، فضوليا، راغبا في التطور، وألا يسمح للنجاح بأن يتحول إلى حالة من الاكتفاء.

سعيد سرحان هو أيضًا من الممثلين الذين يفرضون احترامهم بأدائهم، لا بضجيجهم. لا يحتاج إلى المبالغة في الحضور، لأن حضوره يصل إلى المشاهد من خلال الشخصية نفسها. وحين يظهر على الشاشة، تعرف أنك أمام ممثل يمتلك أدواته ويعرف كيف يستخدمها، ويعرف قبل ذلك كله لماذا اختار أن يكون ممثلا.

ولعل أجمل ما يمكن قوله عنه أن نجاحه لم يأت من ضربة حظ، بل من تراكم سنوات من العمل والاجتهاد والتجربة. فكل دور يقدمه يضيف إلى رصيده، وكل شخصية جديدة تمنحه مساحة أخرى ليؤكد أن الموهبة حين تترافق مع الاجتهاد والشغف يمكن أن تصنع مسيرة تستحق التوقف عندها.

واليوم، ومع الأعمال الجديدة التي يشارك فيها، يواصل سعيد سرحان رحلته بثبات، واضعا أمامه تحديات جديدة وشخصيات مختلفة، من بينها عمله الجديد الذي يجمعه بنخبة من النجوم، بينهم محمود نصر وساشا دحدوح، وهو ما يفتح الباب أمام تجربة درامية جديدة ينتظرها الجمهور.

سعيد سرحان ليس مجرد اسم في قائمة الممثلين، بل حالة فنية تتطور مع الوقت. ممثل مخضرم، مبدع في الإتقان، شغوف بما يقدمه، وإنسان قبل أن يكون فنانا.

وفي زمن أصبح فيه الوصول إلى الشهرة أسهل من الحفاظ عليها، يبقى التحدي الحقيقي هو أن تحافظ على قيمتك كفنان وإنسان. وسعيد سرحان، بما يملكه من موهبة وأخلاق وإصرار، يثبت أن المكانة الحقيقية لا تُمنح، بل تُبنى دورا بعد دور، ونجاحا بعد نجاح، وبسنوات طويلة من العمل الذي يتحدث عن صاحبه أكثر مما يمكن لأي كلمات أن تفعل.

كل التقدير لسعيد سرحان، الممثل الذي لا يزال لديه الكثير ليقدمه، والذي يبدو أن أجمل فصول مسيرته لم تُكتب بعد.