في فيلم «ظلال بيروت» (Shadows of Beirut)، تتحول العودة إلى المدينة إلى رحلة لمواجهة الماضي والتصالح مع الذات. الفيلم، المقرر عرضه في دور السينما بالمملكة المتحدة اعتباراً من 25 أيلول/سبتمبر 2026، الذي كتبته وأنتجته وتؤدي بطولته تالا خليل، يستلهم جانبًا من تجربتها الشخصية، من خلال قصة امرأة تعود إلى بيروت بعد 25 عامًا لمواجهة والدها المحتضر، فتجد نفسها أمام أسئلة مؤجلة حول العائلة والهوية والغفران والانتماء.

في هذه المقابلة مع موقع "الفن"، تتحدث تالا خليل عن تجربتها في خوض الفيلم من موقع الكاتبة والمنتجة والبطلة، وعن التحديات التي رافقت تجسيد شخصية "لانا"، وعلاقتها بالوسواس القهري، إلى جانب تجربتها الشخصية مع فكرة المسامحة والعودة إلى بيروت، وكيف تحولت هذه القصة من تجربة خاصة إلى عمل سينمائي يحمل أصداءً إنسانية تتجاوز حدودها الشخصية.

كيف كان شعوركِ وأنتِ كاتبة ومنتجة وبطلة "ظلال بيروت"؟

في بعض الأوقات، كان الأمر مرهقًا جدًا، لأن كل دور كان يتطلب مني جانبًا مختلفًا. ككاتبة، كان عليّ أن أكون صادقة مع مشاعري. وكمنتجة، كان عليّ أن أكون عملية وأن أحرص على استمرار الفيلم وخروجه إلى النور. أما كممثلة، فكان عليّ أن أتخلى عن الرغبة في السيطرة وتقبّل الانكشاف العاطفي، لكن ارتباطي الشخصي بالقصة منحني أيضًا القوة للاستمرار في كل مرحلة.

هل كان هناك فرق بين تالا التي كتبت الفيلم وتالا التي مثلته؟ وهل غيّرت الشخصية شيئاً في نظرتكِ إلى القصة؟

لقد غيّرت حياتي. بدأت في كتابة الفيلم لأستكشف كيف كان يمكن أن يكون شعوري لو التقيتُ بوالد لم أمتلك الشجاعة لمواجهته في الواقع. ككاتبة، كنت أستطيع احتواء تلك المشاعر من خلف مكتبي، حيث أشعر بالأمان. لكن التمثيل كان مختلفًا، فقد ظهرت مشاعر الغضب والخجل، وفوق كل شيء، الشعور بالذنب، بطريقة لم أكن أتوقعها.

كانت النهاية مختلفة تماماً في الأصل، وعندما اقترح أحد المنتجين تغييرها، قاومت الفكرة في البداية، لأنها وضعتني أمام حقيقة لم أكن مستعدة للاعتراف بها في ما يخص خياراتي الشخصية. تجسيد شخصية "لانا" أجبرني على مواجهة أشياء كانت الكتابة تسمح لي بإبقائها على مسافة مني. كان الأمر مؤلمًا، لكنه كان أيضًا تطهيريًا ومريحًا على المستوى النفسي، وساعدني في نهاية المطاف على بدء رحلة التعافي.

كيف كانت تجربتكِ في العمل مع تينا غراوي، المخرجة المرشحة لجائزة البافتا، وكيف أثّرت رؤيتها في تقديم القصة؟

أضفت تينا لمسة من الحساسية والشجاعة، إلى جانب قدرة أساسية على الحفاظ على مسافة من القصة. كنت أعيش داخل هذه المادة منذ سنوات، بينما كانت هي قادرة على رؤيتها من الخارج وفهم ما يحتاجه الفيلم بعيدًا عن تجربتي الشخصية. هي أيضاً التي أرادتني أن أؤدي دور "لانا"، فقد رأت شيئًا في داخلي لم أكن مستعدةً لرؤيته بنفسي ودعمتني طوال الطريق.

لقد ساعدت رؤيتها على تحويل المادة من قصة شخصية إلى عمل سينمائي يمتلك هويته الخاصة، مع الحفاظ على صدقها العاطفي، من دون أن تكون مقيدة بالوقائع الحرفية.

هل هناك مشهد في الفيلم كنتِ تخشين تصويره؟

كانت المشاهد الأخيرة بين "لانا" ووالدها أكثر ما كنت أخشاه، فهي تحمل كل ما بقي من أمور لم تُقل بينهما: الغضب، والحب، والندم، والشعور بالذنب، إلى جانب إدراكهما أن الوقت ينفد. وبما أن والدي كان قد توفي، فمن الطبيعي أن تلامس هذه المشاهد شيئًا شخصيًا وعميقًا جدًا بداخلي. كان عليّ أن أثق، وأن أبقى حاضرة في اللحظة، وأن أسمح لكل ما يظهر بداخلي بأن يخرج إلى العلن. وكانت هناك مشاهد أخرى شعرتُ بعدم الارتياح تجاهها في البداية، خصوصًا أنني لا أملك تدريبًا رسميًا في التمثيل، لكن مع الفريق المناسب والعقلية المناسبة يصبح كل شيء ممكنًا.

أيهما كان أصعب: كتابة قصة مستوحاة من تجربتكِ، أم تجسيد شخصية تحمل أجزاءً منكِ؟

كان تجسيد "لانا" بالتأكيد أصعب، الكتابة منحتني مساحة من البعد والسيطرة، كان بإمكاني التوقف، أو إعادة الكتابة، أو حتى حماية نفسي من خلال بنية السيناريو، أما التمثيل فأزال هذا الحاجز، فالكاميرا تلتقط أشياء قد لا تدركين حتى أنك تكشفين عنها.

"لانا" ليست أنا، لكنها تحمل أجزاءً مني، وتجسيدها جعلني أكثر انكشافًا، وأكثر تحرراً للمشاعر مقارنةً بكتابتها.

تعود البطلة بعد 25 عامًا لمواجهة والد يحتضر، ماذا أردتِ أن تقولي عن الأشياء التي نؤجل مواجهتها لسنوات؟

كان هذا الانفصال شخصيًا وعميقًا جدًا بالنسبة لي. لم أرَ والدي لمدة 24 عامًا قبل وفاته، ليس لأنني كنت أظن أن أمامنا دائمًا المزيد من الوقت، بل لأنني لم أكن مستعدة لمسامحته.

لا توجد طريقة واحدة للمسامحة تناسب الجميع، كما أنه لا يمكن استعجالها أو فرضها. في الفيلم، تحصل "لانا" على فرصة للعودة، وهي فرصة لم تعد متاحة لي، وتستكشف رحلتها معنى المسامحة، ليس باعتبارها تبريرًا لما حدث أو إعفاءً له، بل باعتبارها وسيلة للتصالح مع الماضي، وفي نهاية المطاف، مسامحة الذات.

ما الصورة النمطية عن الـOCD التي كنتِ حريصة على كسرها من خلال الفيلم؟

أردت دحض الفكرة الشائعة بأن الوسواس القهري يتعلق فقط بالنظافة أو الترتيب أو الإفراط في التنظيم. لانا تُظهر هذه الجوانب كلها، لكن المصطلح غالبًا ما يُستخدم بشكل عابر، وكأنه مجرد سمة جذابة في الشخصية، بينما يمكن أن تكون التجربة في الواقع مخيفة ومرهقة ومعزِلة بشكل كبير.

بالنسبة إلى "لانا"، يشكّل العدّ والتكرار محاولتين لخلق شعور بالأمان والسيطرة عندما يصبح عالمها الداخلي غير محتمل. أردت أن يشعر الجمهور بالقلق الكامن وراء هذه السلوكيات القهرية، بدلًا من الاكتفاء بمراقبتها من الخارج. وفي بيروت، حيث هناك الكثير من الأمور الخارجة عن سيطرتها، لا يكون أمامها أحيانًا سوى أن تتعلم كيف تتخلى عن السيطرة.

ماذا تتمنين أن يشعر به أشخاص يعيشون مع الوسواس القهري عندما يشاهدون الفيلم؟

أكثر ما أتمناه هو أن يشعروا بأن معاناتهم مفهومة ومُقدَّرة، وأنهم ليسوا وحدهم. لا توجد تجربة واحدة أو نمط واحد للوسواس القهري، لكني آمل أن تبدو بعض اللحظات صادقة من الناحية العاطفية.

يمكن للشعور بالخجل أن يسبب حالة من العزلة، لذلك أردت أن يتم تناول هذه الحالة بتعاطف، بعيدًا عن الأحكام. الوسواس القهري جزء من حياة "لانا"، لكنه لا يشكّل كل هويتها ولا يختصر شخصيتها.

هل تخوفتِ في أي لحظة من أن تكون مشاركة هذا الجانب الشخصي من حياتكِ أمام الجمهور أكثر انكشافاً من ما كنتِ مستعدة له؟

نعم، وما زلت أشعر بهذا الانكشاف حتى الآن! كتابة شيء شخصي هي شكل من أشكال الانكشاف، لكن تجسيده على الشاشة والسماح لأشخاص غرباء بتفسيره هما أمر مختلف تمامًا.

في الوقت نفسه، الفيلم ليس إعادة تجسيد حرفية لحياتي، لكن هذه التجارب أعيدت صياغتها من خلال العمل الدرامي والتعاون والأداء. بمجرد أن يصل الفيلم إلى الجمهور، يُسقِط المشاهدون تجاربهم وتاريخهم الشخصي عليه، وعندها يمكن لشيء شخصي وعميق جدًا أن يتحول إلى وسيلة للتواصل مع الآخرين.

كيف أثّرت العودة إلى بيروت وصناعة «ظلال بيروت» في علاقتكِ بلبنان، رغم ابتعادكِ عنه؟

هناك مقولة للأديب اللبناني جبران خليل جبران لطالما لامستني وهي: "لكم لبنانكم ولي لبناني".

حبي للبنان يأخذ شكلًا مختلفًا عن حب أصدقاء تنتمي عائلاتهم وذكرياتهم العزيزة إلى هذا البلد، فأنا أحب لبنان لما قدمه لي وللشخصية التي ساعدني على تكوينها، حتى وأنا بعيدة عنه. ساعدني صنع فيلم "Shadows of Beirut" على تبني تلك العلاقة واعتبارها جزءاً مني، وعلى التصالح مع المشاعر الجميلة والمعقدة التي تنتابني في كل مرة أعود فيها إلى لبنان.