في زمن أصبحت فيه الصورة تُلتقط بالهاتف وتُشارك خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية، تبقى للصورة المطبوعة قيمة مختلفة، كونها تتحول من مجرد ملف رقمي قابل للمرور والنسيان إلى أثر ملموس يمكن الاحتفاظ به واستعادته بعد سنوات. ومن هنا تبرز أهمية المعارض التي تعيد للصورة مكانتها كوثيقة فنية وإنسانية تحمل ذاكرة المكان والناس واللحظات، وتمنح المشاهد فرصة للتوقف أمامها وتأمل تفاصيلها بعيدًا عن سرعة العالم الرقمي.
من قلب إهدن، وبرعاية الوزير السابق للإعلام زياد مكاري، وتحديدًا من قصر "الكبرى"، كان للعدسة اللبنانية موعد جديد مع الفن والذاكرة في الدورة الثالثة من المعرض الجماعي "لما الصورة تحكي"، بمشاركة 26 مصورًا وفنانًا من مختلف المناطق اللبنانية.
وخلال جولة بين جمال إهدن وأجواء المعرض، انتقلنا إلى لقاء عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية والدبلوماسية، للحديث عن أهمية الصورة ودورها في حفظ الذاكرة، فكان لنا حديث مع وزير الإعلام السابق زياد المكاري، وعضو المكتب السياسي في تيار المردة فيرا يمين، والإعلامي جمال فياض، إلى جانب السفير البلغاري في لبنان إياسن توموف والسفير الفنزويلي في لبنان خوسيه بيومورجي.
بداية مع الوزير زياد المكاري، الذي توقف عند ما يميّز الصور المشاركة في المعرض، مشيرًا إلى أنها لم تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت باتت فيه هذه التقنيات تدخل بشكل متزايد في عالم الصورة وتؤثر فيه بصورة دراماتيكية.
وأشار المكاري إلى أن الصور المعروضة، والتي يقدمها مصورون شباب، هي نتيجة التصوير الفعلي، بعيدًا عن التعديلات التي يمكن أن يفرضها الذكاء الاصطناعي على الصورة، معتبرًا أن هذا النوع من التصوير بات يتجه تدريجيًا ليصبح أكثر ندرة.
وأعرب عن فخره باحتضان إهدن للفنانين والمصورين والمثقفين، مؤكدًا أن هذه المبادرات تشكل مساحة مهمة لدعم الإبداع والثقافة، ومعلنًا عن تطلعه إلى استمرار هذه الفعاليات سنويًا.
من ناحيته تحدث السفير الفنزويلي في لبنان خوسيه بيومورجي عن سعادته بالمشاركة في هذا الحدث، معتبرًا أن حضوره فيه يشكّل شرفًا كبيرًا بالنسبة إليه، لما يحمله المعرض من قيمة في توثيق التاريخ واستحضاره.
وأكد بيومورجي أن "صورة واحدة، تاريخ واحد"، مشددًا على أهمية تذكّر التاريخ، خصوصًا في زمن قد يبتعد فيه البعض عن قراءته أو الاستماع إلى رواياته. واعتبر أن هكذا فعاليات تذكّرنا من أين أتينا، وما الذي مررنا به، وإلى أين نتجه، معربًا عن سعادته الكبيرة بالمشاركة في مناسبة تجمع الفن والذاكرة.
من جهته، أعرب السفير البلغاري في لبنان إياسن توموف عن سعادته الكبيرة بالمشاركة في المعرض، معتبرًا أن وجوده في إهدن وفي هذا الحدث يشكّل مناسبة مميزة للتعبير مجددًا عن إعجابه بلبنان وشعبه.
وأكد توموف أن المعرض يعكس جمال الشعب اللبناني وروحه الغنية، إلى جانب المواهب المتعددة التي يمتلكها وقدرته على التعبير عن نفسه من خلال الفن والصورة. واعتبر أن الأعمال المعروضة تجسّد جانبًا مهمًا من غنى الثقافة اللبنانية وروحها، داعيًا الجميع إلى زيارة المعرض والاستمتاع بالأعمال المشاركة.
ولأن هذه المناسبة لم تكن مجرد معرض فني، بل شكّلت أيضًا مساحة للقاء والحوار واكتشاف جمال إهدن، تحدث الإعلامي جمال فياض، بحماس عن الرحلة، مؤكدًا أنها تحولت إلى رحلة إعلامية وفنية وسياحية بامتياز.
وقال فياض إن المصور والكاتب عبدو الدويهي كان يوجّه الدعوات للإعلاميين بشكل فردي، فاقترح عليه تحويلها إلى دعوة جماعية، قائلاً له: "تعى نعمل دعوة جماعية ونجي كلنا مع بعض"، وهو ما حصل بالفعل، إذ اجتمع الزملاء لتلبية الدعوة وحضور المعرض، وفي الوقت نفسه الاستمتاع بجمال إهدن وطبيعتها ومقوماتها السياحية.
وأكد فياض أن هذه الزيارات تحمل بالنسبة إليه رسالة تتجاوز المناسبة نفسها، وهي التأكيد على أن "لبنان لكل اللبنانيين"، مشددًا على أهمية الوصول إلى مختلف المناطق اللبنانية والالتقاء بأهلها، الذين يستقبلون الزوار بمحبة وقلب مفتوح.
وشبّهت يمين أجواء المناسبة بعرس لبناني، مشيرة إلى أن الصورة التي تحتفي بها الفعالية اليوم هي بمثابة عروس تُزف، كما أن الجنوب كان قبل أيام يزف عروسًا. واعتبرت أن هذا العرس هو عرس دائم، سواء كان في الفرح أو الحب أو حتى في الألم والدم، في رسالة تؤكد وحدة اللبنانيين وقدرتهم على الاجتماع حول الفن والثقافة والذاكرة.
في الختام نشير إلى أن معرض "لما الصورة تحكي" لم يكن مجرد مساحة لعرض الصور، بل تحوّل إلى لقاء لبناني جامع، استعادت فيه الصورة دورها كذاكرة، واستعاد فيه الفن قدرته على جمع الناس حول قصة واحدة، من إهدن إلى كل المناطق اللبنانية.