في وقت يُعتقد فيه أن تداعيات جائحة "كوفيد-19" قد انحسرت، كشفت دراسة طبية حديثة عن حقائق صدمت الوسط العلمي، مفادها أن الفيروس يستطيع ترك بصمات وتغيرات عميقة في بنية الدماغ يمكن رصدها وقياسها طبياً، حتى بعد انقضاء أعوام طويلة على التعافي من الإصابة الأولى.


الدراسة الصادرة في مجلة eBioMedicine استندت إلى تقنيات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) لمقارنة النشاط العصبي لـ 24 مريضاً يعانون من "كوفيد طويل الأمد" بـ 24 شخصاً من الأصحاء. وجاءت النتائج لتبين أن المرضى الذين ظهرت عليهم أعراض ناتجة عن الإصابة كالاكتئاب وإجهاد الذاكرة سجلوا تراجعاً بنسبة 18% في النهايات العصبية المرتبطة بمادة الدوبامين؛ وهي المادة الكيميائية المسؤولة عن تنظيم الحركة والتركيز والشغف والوظائف الذهنية.
ركز الفريق الطبي على منطقة حيوية في عمق الدماغ تُعرف بـ "الجسم المخطط" (Striatum)، والمسؤولة عن ضبط الدافعية والمهارات الحركية. وأظهرت الفحوصات أن ضمور أو تراجع النهايات العصبية في هذه المنطقة ارتبط مباشرة ببطء الحركة، صعوبة استرجاع الكلمات، ضعف الاستيعاب، وفقدان الحافز. والمقلق في النتائج أن هذه التغيرات الدماغية تم رصدها لدى مصابين استمرت معاناتهم من الأعراض لما يقارب 4.6 سنوات، مما ينفي فرضية كونها آثاراً جانبية مؤقتة تزول مع الوقت.
وتسلط هذه النتائج الضوء على معضلة الرعاية الطبية؛ إذ يُعالج الكثير من المرضى بطرق قديمة أو غير مجدية كالعلاج السلوكي أو التمارين الرياضية التدريجية، والتي تفشل في معالجة السبب البيولوجي الحقيقي داخل الدماغ.
وتُشير البيانات إلى أن ما بين 2% و10% من مصابي الفيروس يتعرضون لمتلازمة "كوفيد طويل الأمد"، مما يعني أن هناك ما لا يقل عن 65 مليون شخص حول العالم (بينهم 10% إلى 20% من الأطفال) يعيشون تحت وطأة هذه الأعراض الدائمة. ويُنتظر أن تشكل هذه الاكتشافات خريطة طريق جديدة لتطوير بروتوكولات علاجية موجهة تستهدف خلل الدوبامين بدلاً من المسكنات والحلول الموقتة.