أصبح الهاتف الذكي في السنوات الأخيرة بمثابة «ذاكرة خارجية» يعتمد عليها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، من حفظ أرقام الهواتف وتسجيل المواعيد إلى تحديد الطرق والاحتفاظ بالمعلومات، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة تأثير هذا الاعتماد المتزايد على طريقة عمل الذاكرة البشرية، فيما يُعرف بمصطلح «فقدان الذاكرة الرقمية» (Digital Amnesia).

ولا يعني هذا المصطلح أن الأجهزة تدمر ذاكرة الإنسان، بل يشير إلى تغير أسلوب تعامل الدماغ مع المعلومات، إذ أصبح يميل إلى تذكر مكان وجود المعلومة بدلًا من تخزينها داخليًا. وأظهرت دراسة شهيرة نشرت في مجلة Science عام 2011 أن الأشخاص الذين يعرفون أن المعلومات متاحة بسهولة عبر الإنترنت يكونون أقل استعدادًا لحفظها، لكنهم يتذكرون بشكل أفضل كيفية الوصول إليها، ما يعكس تكيف الدماغ مع وجود مصادر خارجية للمعرفة. كما يدرس الباحثون تأثير تطبيقات الملاحة مثل «غوغل مابس» على الذاكرة المكانية، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الاعتماد المستمر على الخرائط الرقمية قد يقلل من تدريب مهارات الاتجاهات والتنقل الطبيعية، دون أن يعني ذلك حدوث ضرر دائم في الدماغ. وفي المقابل، تُظهر أبحاث سائقي سيارات الأجرة في لندن أن الدماغ قادر على التطور والتكيف مع المهارات التي يمارسها الإنسان باستمرار، بعد رصد تغيرات في منطقة الحُصين المرتبطة بالذاكرة والتوجيه. ويحذر العلماء أيضًا من أن المشكلة قد لا تكون في الأجهزة نفسها، بل في طريقة استخدامها، إذ يمكن للإشعارات المتكررة والتنقل المستمر بين التطبيقات أن تؤثر على التركيز، وهو عنصر أساسي في تكوين ذكريات قوية ومستقرة.