تُعتبر أغنية "كانوا يا حبيبي" من الأعمال الخالدة في أرشيف سفيرتنا الى النجوم فيروز، إذ قدّمتها عام 1974 ضمن مسرحية "لولو" من أعمال الأخوين رحباني، كتابة وتوزيعاً، ورغم ارتباط الأغنية في ذاكرة الجمهور بمشاعر الحنين والذكريات والرحيل، فإن خلفية لحنها تحمل قصة مختلفة تمامًا، تبدأ من عالم الأناشيد العسكرية الروسية.
ويكمن السر الأبرز في لحن الأغنية في اقتباسه من المقطوعة السوفيتية الشهيرة "Polyushko-polye" (بوليوشكو-بولي)، والتي تُترجم إلى معانٍ قريبة من "يا حقولنا" أو "حقولنا الواسعة".
ألّف هذه المقطوعة الموسيقار الروسي ليف كنيبر عام 1933، وكتب كلماتها الشاعر فيكتور غوسيف، وكانت في بدايتها عملًا عسكريًا يعكس أجواء الجيش الأحمر، ويتحدث عن قصة جندي يغادر منزله بفخر مع رفاقه، متجهًا للدفاع عن وطنه وحراسة حدوده.
إلا أن الأخوين رحباني أعادا تقديمها برؤية فنية مختلفة، فأدخلا عليها توزيعًا موسيقيًا جديدًا، لتنتقل من أجواء الحرب إلى مساحة أكثر شاعرية تعبّر عن الحب والغياب والذكريات.
ولم يقتصر اقتباس الرحابنة على اللحن الرئيسي فقط، إذ حملت الأغنية في منتصفها لمسة موسيقية مستوحاة من "كاتيوشا وكازاتشوك"، ووجاء هذا المزج ليؤكد قدرة الأخوين رحباني على إعادة توظيف ألحان عالمية ضمن هوية موسيقية لبنانية خاصة.
وتُعد "Polyushko-polye" واحدة من أشهر المقطوعات العسكرية السوفيتية التي حققت انتشارًا عالميًا، وساهمت فرق أوركسترالية عالمية في تعريف الجمهور بها، وتميزت ببنيتها الموسيقية التي تبدأ بهدوء تدريجي يوحي بحركة الخيول في السهوب، قبل أن تتصاعد إلى لحن قوي يحمل طابعًا احتفاليًا وحماسيًا، كما أُدخل لحنها في فيلم "الروس قادمون" الذي عُرض عام 1966.
أما في "كانوا يا حبيبي"، فقد اكتسب اللحن معنى جديدًا تمامًا بفضل كلمات الرحابنة وأداء فيروز، فتحول من نشيد يروي قصص الجنود إلى عمل فني يعبر عن مشاعر الإنسان وذكريات الماضي. وهنا تظهر براعة الأخوين رحباني في تحويل عناصر موسيقية من ثقافات مختلفة إلى أعمال تحمل روحًا لبنانية خاصة، لتبقى الأغنية مثالًا على قدرة الفن على إعادة خلق المعاني وتجاوز الحدود.
نبذة عن الموسيقار الروسي ليف كنيبر :
ينحدر ليف كنيبر من عائلة فنية بارزة، إذ كانت عمته أولغا كنيبر ممثلة معروفة، كما كانت شقيقته الكبرى التي تحمل الاسم نفسه من الشخصيات البارزة في عالم التمثيل.
بعد قضائه خمس سنوات في الخدمة العسكرية، اتجه كنيبر إلى دراسة الموسيقى في موسكو، حيث تلقى تعليمه على يد عدد من أبرز الموسيقيين، من بينهم الملحنة يلينا غنيزينا والملحن راينولد غليري، كما واصل دراسته لفترة خارج روسيا، فتلقى دروسًا لدى الملحن الألماني جوليوس فايسمان في مدينة فرايبورغ إم برايسغاو، وكذلك لدى فيليب يارناخ في برلين.
بدأ كنيبر مسيرته بين عامي 1921 و1922 عندما عمل مساعدًا لمدير "مسرح الفنانين" في موسكو، قبل أن يتجه لاحقًا إلى مجال قيادة الأوركسترا. وفي عام 1933 بدأ العمل كقائد أوركسترا، ثم عاد لاحقًا إلى الارتباط بالمؤسسة العسكرية.


























