تشير مراجعة تحليلية حديثة شملت 44 دراسة وأكثر من 21 ألف مشارك إلى وجود علاقة بين ما يُعرف بـ"الإفراط في التربية" ونتائج الصحة النفسية لدى الأبناء، ويقصد بهذا المفهوم زيادة سيطرة الوالدين أو حمايتهم أو تدخلهم المفرط في تفاصيل حياة الطفل، وقد ركّز الباحثون في هذه الدراسات على مؤشرات منها القلق والاكتئاب والرضا عن الحياة والشعور العام بالرفاهية، خاصة خلال مرحلتي المراهقة وبداية مرحلة البلوغ.

وأظهرت النتائج نمطًا متكررًا عبر مختلف العينات التي تمت دراستها، فكلما ارتفع مستوى تدخل الوالدين في حياة الأبناء، زادت احتمالية ظهور مستويات أعلى من القلق والاكتئاب لديهم.

وقد يكون أحد التفسيرات لذلك مرتبطًا بكيفية تطور الاستقلال النفسي في الدماغ، فوفقًا لنماذج في علم النفس التنموي مثل نظرية تحديد الذات، يُعد كل من الاستقلالية والشعور بالكفاءة من الاحتياجات النفسية الأساسية التي تساعد على تحقيق الاستقرار العاطفي، وعندما يتدخل الوالدان باستمرار لحل المشكلات أو إزالة التحديات من طريق أبنائهم، قد تقل الفرص المتاحة للأطفال لتطوير الثقة بقدرتهم على اتخاذ القرارات أو التعامل مع الضغوط بأنفسهم، وهو ما قد يؤثر لاحقًا في طريقة استجابتهم للتوتر.

كما لفتت الدراسة الانتباه إلى أن تأثير هذه السلوكات لا يكون متماثلًا في جميع البيئات، فقد تبيّن أن العمر والسياق الثقافي يلعبان دورًا في كيفية تفسير هذا النوع من التربية، ففي المجتمعات التي تميل إلى القيم الجماعية، قد يُنظر إلى المشاركة الوالدية المكثفة أحيانًا على أنها شكل من أشكال الدعم والاهتمام، وليس بالضرورة تدخلًا مزعجًا، وهو ما قد يفسر اختلاف الآثار النفسية للإفراط في التربية بين المجتمعات المختلفة.