كلمات شعره اقتحمت البيوت اللبنانية من دون اذنٍ او انذار.
من قلعته في البقاع اللبناني كان يطلق سهام الشعر، فيصيب حبّاً تفتح على كتف جبال الأرز شمالاً، وآخر في اسفل وادي القديسين. يهدي فتاةً من الساحل قصيدة يرسلها مع حبيبها. يشرف على ولادة طفلٌ في الجنوب تزامنت صرخته الأولى مع نغمات اغنية من كلماتها تصدح في الغرفة المجاورة. لقد كان اباً ومربياً لكل الاجيال التي ولدت على ارض هذا الوطن منذ سنين. ارضعهم من حليب كلمات شعره المشبّع بحبّ الطبيعة. عمّد اجسادهم بعطر زهر البيلسان. لفّ اعناقهم بكوفيّة النضال الشعري ومشى.
غنّته السيدة فيروز ومرسيل خليفة واميمة الخليل وآخرون، هو امير شعراء اللغة البيضاء مثل قلبه، شاعر يحمل بين طيات كلماته جماليات الطبيعة وتفاصيل الحياة، كلمات شعره خفيفة على الاذن ثقيلة على العقل والانسان، شعره سهلٌ ممتنع، ما ان سمعته حتى ثملت من وقع رشاقته، وان حاولت تفسيره، دخلت في متاهات المعاني، لكل بيت الف معنى ومعنى. هو الشاعر الذي يفضل الجلوس تحت دوالي العنب في البقاع على ان يتربع على عرش القنوات التلفزيونية، هو الشاعر الذي يفضل ان يكتب الشعر ويقدمه لمحبيه بصوت العمالقة الذين يعطون لكلماته حقها، انه طلال حيدر الذي سقانا قهوته من "ركوة عرب" مطعّمة بحَبّ الهال الذي لا يمكن ان ينفذ عند العرب، انه طلال حيدر الذي وعد كل فتاة بمفتاح القدس حتى ولو كان مهرها مدينة، انه طلال حيدر الذي تبقى كلماته مثل زهر البيلسان في ذاكرة الزمان.
في مقهى لا يزيد قطره عن عشرة امتار مربّعة، تزاحم شباب وشابات، شيبٌ وشائبات، شعراء وشاعرات، مفكرين ومفكرات، فتوزعوا على الطاولات ومن لم يتسع له مكان على كرسي، افترش الارض وجلس في لوحة تصور جيلين مختلفين في الكثر من المعالم، جمعهم بالامس في مقهى "زوايا" في الحمرا حفل تكريم الشاعر طلال حيدر.حضروا إلى المكان قبل ساعات من وصوله، الكل متشوق ومتلهف للقاء. حيدر اطلالاته خجولة، يفضل ان تطل قصائده المحكية على الناس وليس هو. حضر حيدر إلى المقهى قبل دقائق من بدء الحفل، تفاجأ بالحضور التواق للتلذذ من كأس شعره، جلس على طاولته بعد ان حرص على إلقاء التحيّة على الجميع وشكرهم على الحضور، دقائق ويبدأ حفل التكريم بقصيدة مسجلة بصوته، رحّب منسق الاحتفال عماد بدران بالشاعر وبالحضور.
قرأت مجموعة من الشعراء اللبنانيين مؤلفة من الشاعرة مريم خريباني، الشاعرة انعام فقيه، الشاعر مهدي منصور والشاعر كامل صالح قصائد حيدر. صحح بعض الاخطاء اللفظية التي كان يقع بها القراء ضاحكاً متلذذاً بصعوبة تأدية لغة شعره. تفاعل الحضور مع كلماته التي حفرت في قسم ذاكرة العقل مذ كانوا نشؤ. هذه قصيدة غنتها فيروز على ادراج معبد بعلبك، وتلك تمايلنا على انغامها في مهرجانات جبيل برفقة مرسيل خليفة، وهذه لفّتها بحنان صوتها أميمة الخليل ..
في الحفل كان صديق حيدر ناشر جريدة السفير الصحافي طلال سلمان حاضراً إلى جنبه، وبعد الجولة الأولى من قصائد حيدر، روى سلمان قصصه الشخصية مع حيدر، ضحك الحضور لروح الدعابة والمرح التي يتمتع بها حيدر. اعاد سلمان شريط الذاكرة إلى الوراء، إلى ايام الصبا في البقاع، واعاد الجمهور معه إلى مكان وزمان لم يكونوا موجودين فيه.
في الجولة الثانية من قراءة القصائد، دبّت روح القصيدة في شرايين حيدر كدبيب النمل، فتحمّس لان يكرم الذين يكرمونه بقراءة بعد قصائده بصوته. سلّم القراء دفّة السفينة للبحار الذي يبحر بسفينة شعره إلى عمق البحر، إلى آخر نقطة تراها، هناك حين تجتمع السماء مع البحر، فألقى بشباك كلماته على الحضور، واطلق رصاصاته المعتّقة بالحبّ والارض والحياة، فحكم على الحضور بالثمالة من آخر نقطة من "قدح" الزمان.
حيدر الذي تمّنع ان يكرم "النشرة فنّ" بحديث خاص لاسباب صحيّة بررها بارهاق سببه رحلته التي سلكها من البقاع إلى بيروت، أكرمنا بشعره وبحضوره. وفي الختام قدّمت سوزان شكرون وجنان الخليل لحيدر لوحة رسمت بالوان الحب والحياة والعطاء. شكر حيدر مجدداً الجميع ومضى كالضوء إلى البعيد، إلى الدالية التي ألف جيرتها منذ سنين، إلى صومعته التي يعكف فيها ويترقى يوماً بعد يوم ليصبح قديساً ونبياً في هذه الازمنة المتهالكة.


























