في عام 1952، بدأت معاناة الفنانة راقية إبراهيم مع مرض في الكبد، ما دفعها للسفر إلى أوروبا بحثًا عن علاج، ثم إلى الولايات المتحدة حيث خضعت لعملية دقيقة في مستشفى "برسبيتريان" تحت إشراف الطبيب العالمي "هابيف".

أُجريت لها 76 صورة أشعة خلال الجراحة لتتبع تطورات حالتها. وبعد شفائها، عادت إلى مصر متحمسة للعودة إلى السينما، وقدمت فيلمها الأخير "جنون الحب" (1954) مع عماد حمدي وأنور وجدي، بإخراج محمد كريم. لكن هذه العودة لم تدم طويلًا؛ ففي غضون عامين غادرت إلى باريس، ثم إلى الولايات المتحدة، مهاجرة بلا رجعة.

وقبل هذه الهجرة، كانت راقية قد اعتنقت الإسلام وتزوجت من مهندس الصوت مصطفى والي، الذي سافر معها إلى باريس عام 1956، لكنهما انفصلا هناك بعد وقت قصير. وقد أشار الصحفي بديع سربيه في مجلة "الموعد" (1979) إلى أن الطلاق تم فور وصولهما إلى باريس.

زمن لم يعد زمنها

يرى المؤرخ الفني أشرف غريب أن تراجع نجومية راقية إبراهيم كان أحد الأسباب الرئيسة لهجرتها، حيث بدأت موجة جديدة من النجمات الشابات تسيطر على المشهد، مثل فاتن حمامة، شادية، وهند رستم. كما كانت الأجواء السياسية في مصر بعد ثورة يوليو 1952 معادية لليهود، وهو ما زاد من الضغط عليها، خصوصًا مع الشكوك حول حقيقة إسلامها.

في حوار صحفي أجرته عقب عودتها من العلاج، أبدت راقية انحيازًا واضحًا للواء محمد نجيب، الأمر الذي أضر بها في ظل صعود جمال عبد الناصر. ويستشهد غريب بمثال الفنان محمود فوزي، الذي خسر ثروته بعد تأميمها بسبب تأييده لنجيب.

لكن هل كانت هذه الأسباب كافية وحدها لدفع راقية للهجرة، أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟

شائعات العمالة لإسرائيل

رغم الغموض الذي أحاط بحياتها، لم يُسجل ضد راقية إبراهيم أي اتهام مباشر بالعمالة أو الانتماء للصهيونية خلال إقامتها في مصر. بل على العكس، أبدت في مقابلة عام 1953 مع مجلة "الكواكب" اعتزازًا كبيرًا بمصريتها، وقالت إن أمريكا "رغم عظمتها لم تملأ الفراغ الذي تركه الوطن".

لكن بعد هجرتها، وخصوصًا بعد نكسة 1967 وحرب أكتوبر، بدأت تُثار شائعات عن علاقتها بإسرائيل. ويشير غريب إلى أن طريقتها الغامضة في الحياة، وانعزالها عن الوسط الفني، وعدم مشاركتها في الأنشطة الاجتماعية، أثارت الشكوك حولها. كانت تظهر فقط في مناسبات نادرة، مثل حفلات السفارة الأمريكية أو لقاءات مع شخصيات بارزة كطه حسين، في حين لم تربطها صداقات حقيقية في الوسط الفني، باستثناء أربعة فقط: يوسف وهبي، أنور وجدي، محمود المليجي، ومحمد كريم – وكلهم ارتبطت أسماؤهم بمحافل ماسونية، بحسب تقارير غير موثقة.

بحث بلا نتائج

أثناء عمله على كتاب عن حياة راقية، حاول أشرف غريب تتبع نشاطها في الولايات المتحدة، خاصة ما يتردد عن عملها ضمن الوفد الإسرائيلي في الأمم المتحدة. تواصل مع السفير المصري الأسبق محمود كارم، الذي نفى علمه بأي وجود لها في المنظمة الأممية، رغم عمله الطويل هناك.

تهمة اغتيال سميرة موسى

في عام 2009، أعلن الدكتور محمود علي فهمي عن مسلسل إذاعي حول عالمة الذرة سميرة موسى، زاعمًا أن راقية إبراهيم كانت سببًا في اغتيالها عبر تعاونها مع الموساد. لكن الناقد سمير فريد انتقد هذه المزاعم، معتبرًا أنها تفتقر لأي مصدر موثوق، وأشار إلى أن هذا الاتهام لم يُطرح طيلة 57 عامًا منذ مقتل سميرة.

وفي 2012، نشرت صحيفة "المصريون" حوارًا مع سيدة تُدعى "ريتا ديفيد توماس" زعمت أنها حفيدة راقية إبراهيم، وقالت إنها وجدت مذكرات تعترف فيها الجدة بتعاونها مع الموساد وتورطها في اغتيال سميرة. لكن غريب سخر من هذه الرواية، قائلاً: "هل من المعقول أن تترك جاسوسة مذكرات تعترف فيها بجرائمها؟"، إلا أنه بعد ذلك لم يتم إيجاد أي أثر لهذه الشابة وكأنها غير موجودة أصلاً.

لغز بلا نهاية

الغموض لم يقتصر على تفاصيل حياتها، بل امتد حتى إلى تاريخ وفاتها. فبينما تؤكد مصادر وفاتها بين عامي 1977 و1978، هناك من يعتقد أنها عاشت حتى مطلع الألفية، وربما كانت على قيد الحياة حتى عام 1979، حين أُحيلت للتقاعد من الأمم المتحدة عن عمر 60 عامًا. وفي ظل هذا الغموض، لا يستبعد البعض أن تظهر لاحقًا "معلومة" تؤكد أنها لا تزال حية تحتفل بعيد ميلادها المائة مع حفيدتها المزعومة!