استعاد العرض الغنائي الاستعراضي "داليدا... الأغنية التي لا تنتهي" محطات مفصلية من حياة النجمة العالمية داليدا، التي وُلدت في القاهرة، مسلطاً الضوء على التناقض بين مسيرتها الفنية الاستثنائية وحياتها الشخصية المثقلة بالعلاقات العاطفية المضطربة والخسارات النفسية، ومن طفولتها في حي شبرا، مروراً برحلتها إلى النجومية في باريس، وصولاً إلى المآسي التي طبعت حياتها، حاول العمل تقديم صورة إنسانية لامرأة امتلكت صوتاً وصل إلى العالم، لكنها لم تتمكن من العثور على الاستقرار الذي بحثت عنه طويلاً.

وتولت المغنية الأوبرالية فرح الديباني تجسيد شخصية داليدا، في عمل حمل توقيع المخرج المصري خيري بشارة، عن نص لوليد خيري، وجمع بين الغناء والتمثيل والرقص والاستعراض، مقدماً للمرة الأولى على خشبة مسرح مكتبة الإسكندرية، في عرض تجاوزت مدته 130 دقيقة.

واختار صناع العمل الانطلاق من واحدة من أكثر المحطات مأساوية في حياة داليدا، وهي وفاة المغني والملحن الإيطالي لويجي تينكو منتحراً خلال مهرجان سان ريمو عام 1967، بعد ارتباطه بها عاطفياً وفنياً، وما تبع ذلك من محاولة داليدا إنهاء حياتها. ومن هذه الحادثة، عاد العرض بالزمن إلى سنوات طفولتها، كاشفاً عن جوانب من شخصية يولاندا، الاسم الحقيقي لداليدا، قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز نجمات الغناء.

وتناولت المشاهد الأولى معاناتها في طفولتها، ولا سيما تعرضها للتنمر بسبب النظارات الطبية التي كانت ترتديها، في مفارقة مع الصورة التي عُرفت بها لاحقاً، بعدما أصبح جمالها وأناقتها جزءاً أساسياً من حضورها الفني والإعلامي. كما توقف العمل عند علاقتها بوالدها، عازف الكمان الإيطالي بيترو جيجليوتي، الذي كان يعمل في أوبرا القاهرة قبل اعتقاله خلال الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة تركت أثراً عميقاً في الأسرة، خصوصاً بعد عودته بشخصية مختلفة وأكثر قسوة.

ومع انتقال داليدا إلى باريس، بدأت مرحلة جديدة من حياتها، حملت معها طموحاً كبيراً في إثبات موهبتها وتحقيق حضور فني واسع، واستعاد العرض محطتها المهمة على مسرح "الأولمبيا"، حيث بدأت ملامح نجوميتها تتبلور، وأصبحت الأغنية وسيلتها للتواصل مع الجمهور وبناء مكانتها الفنية.

كما حضر في الحكاية لوسيان موريس، المسؤول الإذاعي الفرنسي الذي اكتشف موهبتها وساهم في إطلاق مسيرتها، والذي جمعته بها علاقة عاطفية انتهت بالزواج، غير أن النجاح المهني لم يكن كافياً لإنجاح حياتهما المشتركة، إذ اختلفت تطلعات الطرفين، خصوصاً مع رغبة داليدا في تكوين أسرة والإنجاب، مقابل رفض زوجها لهذه الفكرة، ما عمّق الهوة بينهما وأفقد العلاقة جانباً من الاستقرار الذي كانت تنشده.

ولم تتوقف التجارب العاطفية في حياة داليدا عند هذه المحطة، إذ ارتبطت لاحقاً بالممثل والرسام الفرنسي جان سوبيسكي، كما جمعتها بالممثل آلان ديلون علاقة عاطفية وصداقة وتعاون فني، أثمر أغنية "بارول بارول" عام 1973. كذلك مع الفرنسي ريتشارد شانفري، المعروف بلقب "كونت سان جيرمان"، لسنوات قبل انفصالهما عام 1981، ثم وفاته منتحراً عام 1983.

ومن خلال هذه المحطات، حاول العرض إظهار الجانب العاطفي من حياة داليدا، وما رافقه من محاولات متكررة للعثور على الحب والأمان، من دون اختزال معاناتها النفسية في علاقاتها وحدها.

واعتمد خيري بشارة في تنفيذ الرؤية البصرية على مقاطع مصورة مسبقاً، إلى جانب مواد تستعيد مراحل مختلفة من حياة الفنانة وما تناولته الصحافة عنها، كما استعان بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء خلفيات مسرحية تضمنت صوراً لداليدا وأماكن ارتبطت بحياتها خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. أما الغناء، فشكّل عنصراً محورياً في العرض، مع تولي الديباني أداء مجموعة من أغاني النجمة الراحلة.