في الذكرى الخامسة لرحيل صباح فخري، تعود أغنياته وموشحاته إلى الواجهة، مستحضرةً صوتاً ارتبط بالطرب الأصيل وبالقدود الحلبية، وترك بصمة بارزة في تاريخ الغناء العربي. لم يكن صباح فخري مجرد مطرب امتلك صوتاً استثنائياً، بل كان أحد أبرز حاملي التراث الموسيقي السوري إلى المسارح العربية والعالمية، ونجح على امتداد مسيرته في الحفاظ على مكانة هذا الفن ونقله إلى أجيال جديدة.
وفي مثل هذا اليوم من عام 2021، رحل فخري عن عمر ناهز 88 عاماً في دمشق، تاركاً وراءه مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود. واسمه الحقيقي صباح الدين أبو قوس، ونشأ وسط أجواء موسيقية وإنشادية ساهمت في تشكيل ذائقته الفنية، قبل أن يتلقى أصول الغناء والموسيقى على أيدي عدد من أبرز أساتذة الطرب، بينهم الشيخ علي الدرويش والشيخ عمر البطش.
واستطاع صباح فخري أن يقدّم اللون الحلبي إلى جمهور واسع، مستنداً إلى قدرته الاستثنائية على أداء الموشحات والقدود والقصائد، وإلى أسلوب غنائي تميّز بطول الوصلات الموسيقية والتحكم بالنفس والانتقال بين المقامات. ومن أشهر الأعمال التي ارتبطت باسمه «قدك المياس»، و«مالك يا حلوة مالك»، و«خمرة الحب اسقنيها»، و«يا مال الشام»، و«يا طيرة طيري يا حمامة»، وهي أعمال لا تزال حاضرة في الذاكرة الفنية العربية، وتُردّدها أجيال مختلفة.
ولم تقتصر شهرته على العالم العربي، بل حمل التراث الغنائي السوري إلى مسارح دولية، وحقق إنجازاً استثنائياً عام 1968 عندما غنّى لمدة عشر ساعات متواصلة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، في إنجاز دخل به موسوعة غينيس للأرقام القياسية. كما أحيا حفلات على مسارح ومهرجانات كبرى، من بينها مهرجان قرطاج في تونس، وترك بصمته في عدد من العواصم والمدن حول العالم.
وحظي الراحل خلال مسيرته بتكريمات عديدة، أبرزها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2007، كما تولّى مناصب فنية وإدارية، بينها نقابة الفنانين في سوريا ونائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، وأسهم في إدارة مهرجانات غنائية. وإلى جانب نشاطه الغنائي، شارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية، من بينها مسلسل «الوادي الكبير» إلى جانب الفنانة وردة الجزائرية.
وبعد مرور خمس سنوات على رحيله، لا يزال صباح فخري حاضراً من خلال تسجيلاته وحفلاته وأعماله التي تجاوزت حدود الزمن، فيما بقي صوته أحد أبرز الرموز التي ارتبطت بالقدود الحلبية والطرب العربي الأصيل، ليظل اسمه جزءاً من ذاكرة الموسيقى العربية وتراث مدينة حلب.