ما تقدّمه شادن فقيه في تناولها للمعتقدات الدينية يطرح إشكالية تتجاوز حدود الكوميديا وحرية التعبير، لتصل إلى طبيعة الخطاب نفسه ومدى ما يحمله من إساءة وجرح لمشاعر الآخرين. فليس كلّ كلام صادم جرأة، ولا كلّ استفزاز فناً، ولا كلّ تجاوز يصبح مقبولاً لمجرّد تقديمه على خشبة المسرح تحت عنوان الحرية.
إنّ تكرار استهداف المعتقدات الدينية بأسلوب ساخر وجارح، سواء تعلّق الأمر بالإسلام أو المسيحية، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرّد اختلاف في وجهات النظر. فالدين ليس تفصيلاً عابراً في حياة المؤمنين، بل جزء من هويتهم ووجدانهم وقناعاتهم العميقة. والاستخفاف بما يقدّسونه، واستخدام معتقداتهم مادةً لإثارة الجدل، قد يكون مؤذياً إلى حدّ كبير، مهما جرى تبريره بالكوميديا أو الجرأة أو التحرّر الفكري.
والمشكلة في خطاب شادن فقيه ليست في مجرّد إثارة موضوع ديني، بل في الطريقة التي يُتناول بها هذا الموضوع، حين تتقدّم الصدمة على الفكرة، والاستفزاز على النكتة، ويصبح جرح مشاعر الجمهور نتيجةً لا يبدو أنّها تحظى بالاهتمام الكافي. فليس كلّ ما يثير الغضب دليلاً على الشجاعة، وليس كلّ ما يصدم الجمهور إنجازاً فنياً. الكوميديا تحتاج إلى ذكاء ومضمون ومفارقة، لا إلى الاعتماد على حساسية المعتقدات الدينية لضمان ردود الفعل والانتشار.
كما أنّ التذرّع بحرية التعبير لا يمنح شادن فقيه حصانةً من النقد، ولا يجعل كلّ ما تقوله مقبولاً أو مستحقاً للإعجاب. فالحرية لا تعني أن تُقال الكلمات بلا مسؤولية، ولا أن يُطلب من المتضرّرين تقبّل الإساءة بصمت، وكأنّ الاعتراض عليها دليل تخلّف أو تعصّب. من حقّها التعبير عن مواقفها، لكنّ من حقّ الجمهور أيضاً أن يرى في كلامها تجاوزاً جارحاً ومؤذياً، وأن ينتقد مضمونه وأسلوبه من دون أن يُتَّهم بمصادرة الحريات.
وهنا لا بدّ من التمييز بين النقد الجادّ وبين الإساءة. فليس كلّ كلام عن الدين نقداً فكرياً، وليس كلّ سخرية من المعتقدات طرحاً يستحقّ النقاش. أمّا انتقاد رجال الدين، فلا يمنح أحداً الحقّ في إطلاق الأحكام والإهانات بحقّهم بلا ضوابط، ولا يجعل السخرية منهم موقفاً فكرياً متماسكاً لمجرّد أنّها قُدّمت في قالب كوميدي. فهناك فرق بين مناقشة قضية محدّدة على أساس الوقائع، وبين تحويل الدين ورموزه إلى مادة للتجريح والاستفزاز.
ويزداد الإشكال حين تُستخدم الألفاظ الخادشة والعبارات الفجّة وكأنّها دليل على الجرأة. فالكلمة البذيئة لا تصنع نكتة، والإساءة لا تتحوّل إلى فنّ لمجرّد أنّها أُطلقت أمام جمهور. وإذا كانت الفكرة لا تستطيع إضحاك الناس أو إقناعهم إلا عبر الصدمة والتجاوز، فمن الطبيعي أن تُطرح أسئلة جدّية حول قيمتها الفنية. فالفنّ القويّ لا يحتاج دائماً إلى جرح الآخرين كي يثبت حضوره، والكوميديا الذكية تستطيع أن تكون لاذعة وعميقة من دون أن تجعل الإساءة غايتها أو وسيلتها الأساسية.
ولا يعني ذلك تبرير التهديد أو التحريض أو الاعتداء على شادن فقيه؛ فالعنف مرفوض مهما كان مضمون الكلام الذي يثيره. لكنّ رفض العنف لا يعني إسكات النقد، كما أنّ الدفاع عن حقّها في التعبير لا يفرض على الآخرين احترام كلّ ما تقوله أو اعتباره فناً ناجحاً.
إنّ جوهر المشكلة في ما تقدّمه شادن فقيه هو الخلط بين حرية التعبير وحرية التجريح، وبين الجرأة والاستفزاز، وبين الكوميديا والاستخفاف بمشاعر الناس. فحين تصبح المعتقدات الدينية مادةً متكرّرة لإثارة الصدمة، ويصبح الأذى الذي تخلّفه الكلمات أمراً ثانوياً أمام الرغبة في إحداث الجدل، لا يعود الحديث عن الحرية وحدها كافياً لتبرير هذا الأسلوب.
في النهاية، ليست قيمة الفنان في مقدار الغضب الذي يثيره، ولا في عدد المعتقدات التي يصدم أصحابها، بل في قيمة ما يقدّمه من أفكار وقدرته على التعبير عنها بذكاء. وشادن فقيه، مثل أيّ شخصية عامة، ليست فوق النقد، كما أنّ وصف كلامها بالجارح والمؤذي ليس اعتداءً على حريتها، بل موقف مشروع تجاه خطاب يرى كثيرون أنّه تجاوز حدود السخرية إلى الإساءة.
فالحرية لا تجعل الكلام المؤذي أقلّ إيذاءً، ولا تحوّل التجريح إلى إبداع، ولا تمنح أحداً الحقّ في مطالبة الآخرين بتقبّل الإساءة لمجرّد أنّها قُدّمت باسم الكوميديا.