في اكتشاف محتمل قد يفتح باباً جديداً لفهم أصول المعادن النفيسة في الكون، أثار توهّج غامض في مجرة درب التبانة اهتمام فريق من علماء الفلك، بعدما ظهرت مؤشرات إلى احتمال ارتباطه بحدث كوني عنيف ربما أسهم في إنتاج عناصر ثقيلة، من بينها الذهب والبلاتين واليورانيوم.
ويبحث العلماء في فرضية مثيرة مفادها أن هذا التوهج قد يكون بقايا اصطدام نادر بين نجمين نيوترونيين، وهو حدث يتمتع بقدرة هائلة على إطلاق المادة إلى الفضاء وتهيئة الظروف اللازمة لتكوين العناصر الثقيلة. لكن طبيعة الجسم المرصود لا تزال غير محسومة، ما يجعل هذا التفسير بحاجة إلى مزيد من الأدلة.
وبدأت القصة مع رصد سحابة متوهجة تصدر أشعة غاما عالية الطاقة بواسطة مراصد متخصصة، بينها مرصد "هيس" الموجود في ناميبيا. ولفت موقعها الأنظار، إذ تقع خارج قرص مجرة درب التبانة، حيث تتركز غالبية النجوم.
وشارك في دراسة هذه الظاهرة باحثون من معهد فيزياء الطاقة العالية التابع لأكاديمية العلوم الصينية وجامعة نوتردام الأميركية، في محاولة لتحديد مصدر الإشعاع وطبيعة الجسم الغامض.
ولا يستبعد العلماء تفسيرات أخرى، من بينها ارتباط السحابة بنجم نابض أو ببقايا انفجار مستعر أعظم، ما يعني أن تحديد أصلها النهائي لا يزال مفتوحاً أمام البحث.
تكمن أهمية الفرضية في الدور الذي تؤديه النجوم النيوترونية، وهي بقايا شديدة الكثافة تنشأ عن انهيار نجوم ضخمة. وعندما يندمج نجمان من هذا النوع، يمكن أن تتحرر كميات كبيرة من المادة الغنية بالنيوترونات.
وفي هذه البيئة القاسية، تحدث عملية تُعرف باسم "التقاط النيوترونات السريع"، إذ تلتقط النوى الذرية النيوترونات بوتيرة كبيرة، ثم تتحول عبر تفاعلات نووية إلى عناصر ثقيلة، من بينها الذهب والبلاتين، وصولاً إلى عناصر مثل اليورانيوم.
وبذلك، لا يقتصر تأثير هذه الاصطدامات على إطلاق طاقة هائلة، بل يمكن أن تسهم أيضاً في تكوين بعض العناصر التي تدخل في تركيب الكواكب والأجرام السماوية، وتصل في نهاية المطاف إلى البيئة التي نعيش فيها.
وفق التقديرات التي يعرضها البحث، ربما وقع الاصطدام المفترض قبل أقل من ألف عام، وهي مدة قصيرة نسبياً عند مقارنتها بعمر المجرة والكون.
ويُعتقد أن هذا التوقيت قد يساعد على تفسير استمرار ظهور السحابة بسطوع ملحوظ وحجم محدود، ما يجعلها هدفاً مهماً للرصد الفلكي.
وتطرح الدراسة أيضاً سيناريو محتملاً يفترض أن النجمين تحركا بعيداً عن منطقة ولادتهما قبل اصطدامهما في موقعهما الحالي. كما تشير الفرضية إلى أن بقايا الاندماج ربما انهارت لتشكّل ثقباً أسود، إلا أن هذه التفاصيل تحتاج بدورها إلى أدلة رصدية إضافية.
و يعوّل الباحثون على عمليات رصد مستقبلية باستخدام مرصد صيني متخصص في أشعة غاما عالية الطاقة، إلى جانب تلسكوب فيرا روبين في تشيلي، لجمع بيانات أكثر دقة عن السحابة وخصائصها.
ومن شأن هذه المشاهدات أن تساعد في اختبار مدى توافق الإشارات المرصودة مع الآثار المتوقعة لاندماج نجمين نيوترونيين، والتمييز بينها وبين التفسيرات الفلكية الأخرى.
وإذا تأكدت الفرضية، فقد يشكّل الجسم المكتشف دليلاً مهماً على وجود بقايا اندماج من هذا النوع داخل مجرة درب التبانة، ويساعد العلماء على فهم أفضل لكيفية نشوء أثقل العناصر في الكون.
حتى ذلك الحين، يبقى "مصنع الذهب الكوني" تفسيراً علمياً محتملاً لظاهرة غامضة، لا اكتشافاً نهائياً حُسمت طبيعته، فيما تتواصل الأبحاث لفك أسرار هذا التوهج القادم من أعماق المجرة.