سلّطت سلسلة من المقالات المنشورة في مجلة «لانسيت» الضوء على المخاطر الصحية المحتملة للاستخدام الإشكالي للوسائط الرقمية لدى الأطفال والشباب دون سن 25 عاماً، بعد مراجعة 121 دراسة علمية شملت نحو 9 ملايين شخص، أظهرت وجود ارتباط بين هذا الاستخدام وتراجع الصحة النفسية واضطرابات النوم وانخفاض مستويات النشاط البدني.

ورغم ضخامة البيانات التي استند إليها الباحثون، فإنهم شددوا على ضرورة تفسير النتائج بحذر، نظراً إلى محدودية الأدلة المتاحة وعدم كفايتها لإثبات أن الاستخدام الإشكالي للوسائط الرقمية هو السبب المباشر لهذه المشكلات الصحية. كما أشاروا إلى أن صعوبة الوصول إلى بيانات شركات التكنولوجيا تعرقل إجراء أبحاث أكثر دقة وشمولاً.

وفي هذا السياق، انتقدت الباحثة لويز هولي، من مختبر «دي تي إتش لاب»، نماذج الأعمال التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا، معتبرةً أنها تركز على جذب انتباه المستخدمين وجمع بياناتهم، في حين لا تحظى الآثار المحتملة لهذه الممارسات على الصحة بالاهتمام الكافي.

من جانبه، حذّر الباحث فالك مولر-ريمنشنايدر من الأعباء الصحية التي قد ترتبط بقضاء فترات طويلة أمام الشاشات، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن تجاوز ساعتين يومياً أمام الأجهزة الرقمية يرتبط بخسارة نحو 2.8 مليون سنة من الحياة الصحية سنوياً بسبب الاكتئاب، ونحو 240 ألف سنة بسبب السمنة.

ورغم أن هذه الأرقام لا تثبت وحدها وجود علاقة سببية مباشرة، فإنها تعكس، وفقاً للباحثين، حجم التحديات الصحية التي تستدعي مزيداً من البحث والتقييم.

ويرى مؤلفو المقالات أن حظر استخدام الأطفال والمراهقين لشبكات التواصل الاجتماعي لا يمثل حلاً كافياً بمفرده، داعين إلى اعتماد إجراءات أوسع تضمن مساءلة الشركات وتحسين معايير السلامة الرقمية.

وتشمل المقترحات إلزام شركات التكنولوجيا بتقييم المخاطر المحتملة للمنتجات والميزات الجديدة قبل طرحها، إلى جانب إتاحة البيانات للباحثين المستقلين بما يسمح بدراسة آثارها الصحية بصورة أكثر موثوقية.

كما دعا الباحثون إلى وضع اتفاق دولي بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، بهدف تحديد معايير أساسية لتنظيم المنتجات الرقمية، ومنع تفاوت القواعد بين الدول من إضعاف جهود الحماية.

ومن بين التوصيات أيضاً إنشاء هيئة دولية متخصصة في مراقبة الأضرار المحتملة للذكاء الاصطناعي على الأطفال والشباب، في ظل التوسع المتسارع في استخدام هذه التقنيات.

ويؤكد الباحثون أن التعامل مع هذه القضية يتطلب تعاوناً دولياً يجمع بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع العلمي، مع مواصلة إجراء دراسات أكثر دقة لتحديد التأثيرات الفعلية للوسائط الرقمية على الصحة النفسية والجسدية، والتمييز بين مجرد الارتباط الإحصائي والعلاقة السببية.