يُعدّ الشاعر الغنائي اللبناني الراحل إلياس ناصر من الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الأغنية اللبنانية، إذ امتدت مسيرته على مدى عقود، وشملت الأغنيات العاطفية والوطنية والبرامج الإذاعية والمسرح والشعر. وتعاون خلالها مع نخبة من الفنانين، بينهم عازار حبيب وصباح ونجوى كرم ووائل كفوري ونوال الزغبي وإليسا ونانسي عجرم وعاصي الحلاني وراغب علامة وجورج وسوف، إلى جانب أسماء أخرى من أجيال مختلفة.
وُلد ناصر في لبنان عام 1942، وبدأ مشواره الغنائي بكتابة كلمات "صدفة كانت والتقينا"، التي لحّنها عازار حبيب وغنّتها مجدلى، لتنطلق بعدها مسيرة واسعة في عالم الأغنية، تنقّل خلالها بين الألوان العاطفية والإنسانية والاجتماعية، مواكبًا تحولات الأغنية اللبنانية والعربية.
شراكة فنية مع عازار حبيب
شكّلت علاقة ناصر بالملحن والفنان الراحل عازار حبيب إحدى أبرز محطات مسيرته، إذ جمعتهما صداقة وثيقة وتعاون متكرر أثمر مجموعة من الأغنيات التي رسّخت حضورهما في ذاكرة الجمهور.
ومن أبرز الأعمال المرتبطة بهذا التعاون "نانا"، "مش مهم تكوني حدي"، "لولاكي يا ملاكي"، "ع جبين الليل"، "بدك زقفة"، "شو قولك"، "يا ساكن قلبي"، "من أيا ملاك"، "كتير محلايي"، "عم لملم حناني"، "إنت رفيقي"، "بكوار العسل"، إضافة لأغنية "صيدلي" التي حققت نجاحا هائلا وجالت العالم وترجمة للغات عديدة أبرزها التركية.
ولم يقتصر تعاونهما على الأغنيات التي أدّاها حبيب بصوته، بل امتد إلى أعمال لفنانين آخرين، تولّى فيها حبيب التلحين وكتب ناصر الكلمات. واستمرت هذه الشراكة حتى وفاة حبيب في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، قبل رحيل ناصر بنحو ست سنوات.
من صباح إلى نجوى كرم ووائل كفوري وإليسا
تعاون ناصر مع عدد كبير من الفنانين الذين شكّلوا محطات بارزة في تاريخ الأغنية اللبنانية والعربية. فقد غنّت صباح من كلماته "شو فيها الدني"، "ممنوع الغلط"، "بدك ياني إبكي"، و"يا ليل شو بحبك"، فيما ارتبط اسمه مع نجوى كرم بأغنيتي "الحق عليي" و"لو ما بتكذب".
وشملت قائمة الفنانين الذين أدّوا من كلماته وائل كفوري، نوال الزغبي، إليسا، عاصي الحلاني، نانسي عجرم، راغب علامة، جورج وسوف، معين شريف، ملحم زين، كارول سماحة، باسكال مشعلاني، كارول صقر، ديما حايك، دارين حدشيتي، وديع مراد، أمل حجازي، فضل شاكر، ويارا.
ومن الأغنيات التي ارتبطت بأسماء فنانين مختلفين "آخر غرام" و"زمان" لأمل حجازي، "عازز عليّ النوم" لهادي هزيم، "إيدك عن إيدي" لجاكلين، و"بحب عيونا" لسالم الحاج، "ع إيدك ربيت"، "وأسرع من مارادونا" لعازار حبيب، والجدير ذكره أن الأغنية الأخيرة صنعت حالة فنية في وقتها لتزامنها مع فوز اللاعب الأرجنتيني دييغو مارادونا بكأس العالم وكانت حديث الجمهور.
كما نُسبت إليه أغنيات أخرى لجاكلين، بينها "لعيونك بكرا"، "شو مفكر"، "حلوة بتتكحل بالحب"، ولمنعم فريحة "ع خدك حبة لولو"، "بعدك طفلة"، و"من شعرك أنا عندي شال"، ولرجا بدر "يا عمري"، "لخوانك"، و"روحي".
وتعاون ناصر مع المطربة الكبيرة وداد والتي عُرفت بـ "مطربة الراديو الأولى" في لبنان، حيث كتب لها كلمات عدد من الأغنيات المميزة في مسيرتها الفنية، ومن أبرزها: "خبر كل الناس"، "بأي حق"، "تغيب الشهر كله".
كما أن الفنان جبران نجم كان له حضور قوي في مسيرة الياس إذ غنى من كلماته العديد من الأغاني وأبرزها في ألبوم "عاش" الذي تولى الياس ناصر كتابته بالكامل وشمل: "دكّة وشم"، "انشالله بتتهنوا"، "بحلفلك"، "مجنونة ومجنون"، "عاش"، "كتير محلاية" "تاج ملوكي"، "لقاصد"، "عن الأرض بعيد"، إضافة لأغاني وطنية وأناشيد عديدة، ولصلة الوصل القوية بين الياس وعازار وجبران مُنح الأخير شرف غناء جميع أغانيهما في حفلاته.
كما أن هناك البوما آخر تعاون فيه جبران مع الياس وهو "نامي ع حرير" وضم: "نامي ع حرير"، "عاش"، "لا تدمعي"، "قول انا بحبك"، "انت رفيقي"، "وينك" "يومين تلاتة"، "هوارة الياعين"، والجدير ذكره أن الأغاني جميعها كانت من كلمات ناصر.
كما أثمر التعاون الفني بين المطرب اللبناني المعتزل ربيع الخولي (الأب طوني حالياً) والشاعر إلياس ناصر عن مجموعة من الأغاني والترانيم البارزة في فترة الثمانينات، والتي لحّن معظمها الموسيقار عازار حبيب ونور الملاح. وتنوعت هذه الأعمال لتشمل طابعاً عاطفياً مثل أغنيتي "حبّي أنا" و"يا ملاكي"، بالإضافة إلى أعمال دينية بارزة رافقت الخولي حتى بعد اعتزاله ودخوله السلك الكهنوتي، مثل ترنيمة "كتار كتير الناس"، كما كتب للعديد من الفنانين مجموعة كبيرة من الترانيم.
ولا يمكن الحديث عن الياس ناصر دون ذكر شراكته مع الموسيقار إحسان المنذر إذ كانا واحدة من أبهى وأنجح الثنائيات، حيث امتدت صداقتهما وعملهما الدؤوب لأكثر من ثلاثة عقود. ولم يكن هذا التعاون مجرد التقاء عابر بين كلمة ونغم، بل كان بمثابة "مختبر فني متكامل" في استوديو المنذر، يرتكز على العفوية والانسجام التام، إذ كانا يصيغان الكلمات والألحان معاً بالتزامن لتولد الأغنية كجسد واحد. وتجلّت ذروة هذا الإبداع المشترك في كونهما "صنّاع النجوم"، حيث ساهم هذا الثنائي بشكل محوري في الصعود الصاروخي للنجم راغب علامة في بداياته خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، فقدّما له سلسلة من الروائع الخالدة التي رسخت هويته الفنية عربياً، ومن أبرزها "بكره بيبرم دولابك" التي حققت انتشاراً هائلاً، إلى جانب الأغنيات الكلاسيكية والإيقاعية الشهيرة مثل "عن جد"، "لو شباكك ع شباكي"، "الكتب العتيقة"، و"ضوى الليل". ولم تقتصر ثمار هذه التوأمة الفنية على راغب علامة فحسب، بل امتدت لتصنع بصمات مميزة مع نجوم آخرين في بداياتهم مثل باسكال مشعلاني، بالإضافة إلى تقديم ألحان وطنية وأناشيد رصينة لإذاعة لبنان، مما جعل غياب إلياس ناصر عام 2013 صدمة كبرى لإحسان المنذر الذي رثاه كـ "توأم روحه وأخيه وعشرة عمره"، تاركين وراءهما إرثاً موسيقياً لا يزال حياً في وجدان الجمهور العربي.
ويعكس هذا التنوع اتساع رصيد ناصر الفني، الذي شمل فنانين من أجيال ومدارس غنائية مختلفة، من الأصوات الكلاسيكية إلى نجوم الأغنية اللبنانية والعربية الحديثة.
الأغنيات الوطنية والمشاريع الجماعية
إلى جانب الأغنيات العاطفية، شارك ناصر في كتابة أعمال مرتبطة بمناسبات عامة، من بينها أغنية "لا "، التي صدرت عام 2003 لماراثون بيروت، ولحّنها غي مانوكيان، وشارك في
أدائها نانسي عجرم ودينا حايك وزين العمر وهيفا وهبي وجو أشقر ويوري مرقدي.
كما كتب كلمات أغنية "كويت الشهامة" عام 2005، التي لحّنها جورج كرم وارتبطت بالكويت، في تجربة عكست مشاركته في مشاريع غنائية جماعية تجاوزت إطار الألبومات الفردية.
البرامج الإذاعية والمسرح والسينما
لم يقتصر نشاط ناصر على كتابة الأغاني، بل امتد إلى البرامج الإذاعية، حيث كتب أعمالًا عُرضت عبر الإذاعة اللبنانية وإذاعة صوت الجبل وإذاعة صوت لبنان التي يعتبر من مؤسسيها وأوائل من عمل فيها، ويقدّر رصيده بأكثر من 3 آلاف حلقة إذاعية ومن أبرزها "عدو للعشرة"، "لحد هون وبس"، "ضاعت الطاسة"، "حكي بحكي"، "الآباء يأكلون الحصرم"، و"وجوه بلا أسامي".
كما أعطى العديد من أفكار البرامج لآشي حدشيتي، في "إذاعة سترايك"، وأسماء برامج للإعلامية هلا المر أبرزهم إسم برنامج "نهار جديد".
كما كتب برامج لـ "راديو راما" من بين الممثلين فيها كان الممثل عبدالله حمصي المعروف بـ "أسعد"، والممثلة علياء نمري.
كما كتب مسرحيتين، إحداهما أوبريت، في تجربة كشفت عن اهتمامه بالكتابة الدرامية إلى جانب الأغنية والبرامج.
وفي السينما، ارتبط اسمه بفيلم "أيام اللولو" الصادر عام 1986، حيث نُسبت إليه كلمات أغنية "عامر فرحكم" بصوت صباح التي ادرجت ضمن البوم الكاسيت الرسمي الخاص بالفيلم، كما ظهر اسمه ضمن الأعمال المرتبطة بالموسيقى في مسلسل "أهل الغرام" الصادر عام 2006.
مؤسس مع اذاعة صوت لبنان
منى سعادة… زوجته وذكرياته وقصائده غير المنشورة
شكّلت منى سعادة جانبًا أساسيًا من الحياة الشخصية لإلياس ناصر، وبقيت بعد رحيله حريصة على الحفاظ على ذكراه وإرثه الفني والأدبي.
تزوج الشاعر الغنائي اللبناني الراحل إلياس ناصر من منى في عام 1978، ورزقا بثلاثة أبناء هم إيزابيل، جويل، وزياد. يتميز أفراد العائلة بحسهم الفني الرفيع وتذوقهم لمختلف الأعمال الفنية، حيث يحرصون على استذكار والدهم باستمرار من خلال أغانيه التي يحفظونها عن ظهر قلب.
كما أن زوجته عُرفت باهتمامها بالمجالات الفنية مثل الرسم والشعر، ولاحقاً بدراسة كتابة الأيقونات في المعهد الأنطوني. وقد تم تكريم الشاعر الراحل (الذي توفي عام 2013) في حفل تخرج زوجته من المعهد عام 2018، حيث حملت دورة التخرج اسمه تقديراً لعطائه الفني الطويل.
وفي مقابلة مع موقع "الفن" في تلك المناسبة، تحدثت منى عن احتفاظها بأغراضه الشخصية ومكتبه كما تركه قبل وفاته، مستذكرة تفاصيل حياتهما اليومية، ولا سيما احتساء القهوة صباحًا، وحديثه وفكره وذكاءه وشغفه بالفن الراقي والأغنيات ذات الأفكار المتجددة والكلمات البعيدة عن الابتذال.
وكشفت سعادة أنها لا تزال تحتفظ بعدد كبير من القصائد التي تركها زوجها من دون أن يمنحها لملحن أو فنان، مشيرةً إلى أن فنانين وملحنين لبنانيين وعربًا كانوا يعرفونها ويزورون منزل العائلة الذي كان مفتوحًا أمام الوسط الفني.
وأبدت استعدادها للتعاون مع الفنانين والملحنين الراغبين في تقديم تلك القصائد، بما يتيح فرصة لوصول كلمات ناصر غير المنشورة إلى الجمهور. كما أشارت إلى أن بعض الفنانين تسلّموا قصائد منه قبل رحيله وأطلقوا الأغنيات لاحقًا، وذكرت من بينهم دارين حدشيتي ويارا.
وهكذا، لم تحتفظ سعادة بذكريات زوجها وأغراضه فحسب، بل بقيت أيضًا صلة وصل بين أعماله المنشورة والقصائد التي لم تتحوّل إلى أغنيات خلال حياته، فيما يظل مصير هذه النصوص بعد عام 2018 بحاجة إلى متابعة وتوثيق.
تجاربه الأدبية:
إلى جانب نشاطه الغنائي، أصدر ناصر عدة كتب بعضها نشر وبعضها لازال حتى الآن، ومن أبرزها: "شعر عالايد"، "كتاب وارتوى" و"يوميات شاعر كسول".
كما أن له كتابا لم ينشر بعد وهو "كأس العمر"، الذي ضم قصائد قصيرة عبّر فيها عن تجاربه وخبراته في الحياة، مقدّمًا جانبًا أدبيًا من شخصيته خارج إطار الأغنية المرتبطة باللحن والأداء.
حضوره النقابي
تولّى ناصر سابقًا رئاسة جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في لبنان، وكان عضوًا في نقابة الفنانين المحترفين، كما عُدّ من الأعضاء المؤسسين لصندوق تعاضد الفنانين في لبنان.
وعكس هذا الجانب ارتباطه بقضايا حقوق المؤلفين والملحنين والأوضاع الاجتماعية للفنانين. وشهدت مرحلته النقابية خلافات وأجواء صعبة أثارت تساؤلات في التغطيات الصحافية، وقيل إنها تركت أثرًا نفسيًا فيه، من دون أن يعني ذلك ثبوت أي اتهامات بحقه قضائيًا.
وفاة إلياس ناصر وإرثه الفني
توفي إلياس ناصر في بيروت يوم 7 نيسان/ أبريل 2013، عن عمر ناهز 61 عامًا. وتحدثت التغطيات المنشورة عقب رحيله عن وفاته إثر أزمة قلبية، فيما أشارت سيرته التعريفية إلى معاناته مرضًا طويلًا "سرطان".
وشُيّع جثمانه في اليوم التالي في كنيسة المخلّص للروم الملكيين الكاثوليك في شارع مونو في بيروت.
يذكر أن آخر فنان كتب له الشاعر إلياس ناصر قبل وفاته هو الفنان غبريال عبد النور، وقد خصّه بألبوم كامل يحمل عنوان "غنّيت"، ونظراً لوفاة إلياس ناصر في أبريل 2013، قام غبريال عبد النور بإصدار هذا الألبوم تخليداً لذكراه وتزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لرحيله في عام 2014، حيث تم تركيب كلمات الراحل على ألحان كلاسيكية عالمية لكبار الموسيقيين مثل بيتهوفن وشوبان وشوبرت
ويُقدّر رصيده بنحو 1700 أغنية، وإن كان هذا الرقم لا يستند إلى فهرس موحّد يضم جميع العناوين وأسماء المؤدين والملحنين وتواريخ الإصدار.
ومن أبرز المواقف المؤثرة التي تُستعاد قبيل وفاة إلياس ناصر، تلك التي جمعته بذكرى صديق عمره الفنان الراحل عازار حبيب، خلال حفل تكريمي أقامه جبران نجم له في منطقة الحوش بالبقاع الغربي. يومها، ألقى ناصر كلمة مؤثرة استعاد فيها محطات من صداقتهما، مستحضرًا رفيق دربه بكلمات لامست القلوب. لكن العبارة التي اختتم بها كلمته بقيت عالقة في الأذهان، حين نظر الى تمثال حبيب وقال: "مش مطوّل، جايي"، وكأنها كانت تحمل إحساسًا عميقًا بقرب موعد اللقاء مجددًا مع صديق عمره، ولكن هذه المرة في العالم الآخر. جملة بدت يومها عابرة، قبل أن تكتسب، بعد رحيله، وقعًا أكثر إيلامًا، وكأنها كانت تروي شيئًا من إحساسه بقرب الرحيل.
في النهاية، تختصر مسيرة الياس ناصر تجربة شاعر تنقّل بين الأغنية العاطفية والوطنية، والبرامج الإذاعية والمسرح والشعر والعمل النقابي، وكتب لأجيال من الفنانين اللبنانيين والعرب. وبين شراكته اللافتة مع عازار حبيب، وتعاونه مع كبار النجوم، والقصائد التي بقيت محفوظة لدى زوجته، يظل إلياس ناصر اسمًا يستحق المزيد من البحث والتوثيق حفاظًا على إرثه ومكانته في ذاكرة الأغنية اللبنانية.