في زمن كانت فيه الأغنية تعيش أكثر من عمر صاحبها، كان الفنان يعرف أن الأغنية التي يقدّمها اليوم قد تبقى غداً وبعد سنوات طويلة في ذاكرة الناس، وهذا تحديداً ما يجعلنا نتوقف عند اسم الفنان اللبناني طوني حنا.


ربما تغيّرت الأيام، وتغيّرت الأغنية اللبنانية، وتغيّر ذوق الجمهور، لكن هناك أغنيات بقيت قادرة على العودة من جديد وكأنها لم تغب يوماً. «طال السهر»، «خطرنا على بالك»، «يابا يابا له»… أغنيات لم تبقَ في أرشيف صاحبها فقط، بل انتقلت من جيل إلى جيل، وأعاد فنانون آخرون غناءها، وكأنها لم تعد ملك زمن محدد.

وهنا تظهر قيمة طوني حنا الفنية، فهو ليس مجرد فنان قديم نعود إليه من باب الحنين. هو واحد من الأصوات التي شكّلت جزءاً من شخصية الأغنية اللبنانية، بصوت جبلي واضح وحضور لا يشبه أحداً. والفنان الذي استطاع أن يصنع لنفسه هوية خاصة، بالصوت والشكل والأداء وحتى بالعصا والقبعة والشوارب التي أصبحت جزءاً من صورته الفنية.

وإذا أردنا العودة إلى تلك المرحلة، يكفي أن نتذكر مسرح المؤلف الموسيقي والمسرحي روميو لحود، حين شارك طوني حنا في مسرحية "سنكف سنكف" إلى جانب ملكة جمال الكون السابقة جورجينا رزق والفنانة اللبنانية سلوى القطريب والفنان اللبناني عبده ياغي، في تجربة جمعت أسماءً كانت جزءاً أساسياً من الحركة الفنية اللبنانية في تلك المرحلة، وخرجت منها أغانٍ بقيت حاضرة في الذاكرة، ومنها «طال السهر» التي ارتبطت بصوت حنا وجورجينا رزق.
كان ذلك زمناً مختلفاً، الفنان كان يستطيع أن يغني بالقرار والجواب، أن يقف على المسرح بصوته الحقيقي، وأن يترك أغنية تعيش عشرات السنين. واليوم، حين نسمع فناناً يعيد غناء «خطرنا على بالك» أو «يابا يابا له»، أو تعود «طال السهر» إلى الواجهة، نفهم أن الأغنية الجميلة لا تموت بانتهاء زمنها، بل تنتظر من يعيد اكتشافها.
لكن السؤال الأصعب ليس عن الأغاني، السؤال عن أصحابها، لماذا نتذكر أغنية حنا، وننسى أحياناً صاحب الأغنية نفسه؟ لماذا نحتفي بإرث الفنان عندما نحتاج إلى أغنية قديمة أو مناسبة أو برنامج تلفزيوني، ثم نترك الفنان في حياته اليومية يواجه العمر وحده؟

مع تقدم طوني حنا في السن، لم يتخلَّ عن المسرح، وهذا بحد ذاته يستحق التوقف عنده. فأن يبقى الفنان قادراً على الوقوف أمام الجمهور والغناء بعد كل هذه السنوات، هو أمر يستحق التقدير، لا أن يُنظر إليه وكأنه مجرد صفحة من الماضي.
والمشكلة هنا أننا نتصرف وكأن قيمة الفنان تنتهي عندما يتوقف الإعلام عن الحديث عنه.
المؤسف أن الاهتمام بالفنان في لبنان غالباً ما يأتي متأخراً. ننتظر أحياناً حتى يمرض أو يختفي أو يرحل، ثم نتذكر فجأة كم أعطى وكم كان مهماً وكم أغنية ترك لنا. وتكريم الفنان الحقيقي لا يكون بصورة أو درع بعد وفاته، بل أيضاً بحفظ كرامته وهو على قيد الحياة، وبخلق مساحة تليق بتاريخه، وبالاهتمام بأصحاب التجارب التي ساهمت في بناء الثقافة الفنية اللبنانية.

فأين المؤسسات التي تحفظ أرشيف هؤلاء الفنانين؟ أين المبادرات التي تعيد تقديم أعمالهم للأجيال الجديدة؟ وأين الدعم والتقدير اللذان يشعران الفنان بأنه لم يُنسَ لمجرد أن الزمن تغيّر؟

لا نتحدث هنا عن طوني حنا وحده، بل عن جيل كامل من الفنانين الذين صنعوا جزءاً من ذاكرتنا الموسيقية والثقافية. جيل كانت أغنياته تعيش. وكانت الناس تحفظها عن ظهر قلب، تغنيها في البيوت والأعراس والسهرات، ثم تعود إليها بعد سنوات وكأنها كُتبت بالأمس.