في زحمة الأدوار الشريرة التي تعودنا عليها في الدراما، يأتي دور "ياقوت الدباح" الذي جسّده الممثل المصري مصطفى خاطر في مسلسل "الكينج" ليكسر القاعدة المعتادة : شرير كرهه الجمهور من أفعاله، لكنه أحبه من قلبه.
ياقوت شقيق حمزة الدباح "الكينج" من الأب، لكنه ليس شريرًا تقليديًا يكتفي بإثارة الخوف، هو شخصية معقدة، تمارس كل أنواع الشر الممكنة: يدير أعمال عصابات، يلعب على الحبلين بين طرفي أي صراع لصالحه، يخوّن، يهدد، وأتعب وأرهق أخيه وأخته على حد سواء، ومع ذلك، لم يكن مجرد شخصية يُنتظر سقوطه بفارغ الصبر، بل تشدّك رغم قسوتها.
هنا بالتحديد تكمن براعة الكتابة والأداء معًا، فالكاتب لم يمنح ياقوت شرًا مسطحًا بلا دوافع، بل صاغه كإنسان له تركيبته النفسية الخاصة، تدفعه رغبته الدائمة في جرّ أخيه إلى طريقه المنحرف، وكأنه يبحث عن نسخة منه في هذا العالم القاسي الذي اختاره.
ما يستحق الإشادة أن خاطر، المعروف بخلفيته الكوميدية، نجح في أن يمنح ياقوت طابعه الخاص.
لم يكن ياقوت نسخة مكررة من أشرار الدراما المصرية المعتادين، بل شخصية لها ملامحها المميزة وطريقتها الخاصة في الحديث والتصرف، حتى أصبحت "بصمة" يمكن التعرف عليها بسهولة.
واللافت أن الدور جاء في منطقة وسطى دقيقة بين الجدية والكوميديا، وهي منطقة صعبة التنفيذ: فالشرير لا يمكن أن يكون مضحكًا طوال الوقت، لأن هذا يفرغ شخصيته من ثقلها الدرامي، خصوصًا وهو يخرّب بيوت الناس ويهدد حياتهم، لكن في الوقت نفسه، بقيت هناك ومضات كوميدية خفيفة تظهر بين الحين والآخر، تُذكّرنا بخلفية خاطر الفنية دون أن تنتقص من قسوة الشخصية، وهذا التوازن الدقيق هو ما جعل الأداء مميزًا ولافتًا.
من أكثر ما يُحسب لهذه الشخصية أنها الوحيدة تقريبًا التي نجت في النهاية، رغم كل المخالفات والمخاطر التي مرّت بها طوال الأحداث، فبينما تنتهي الشخصيات الشريرة عادة بالموت أو السجن كـ"عبرة" درامية تقليدية، نجا ياقوت من الشرطة ومن الموت، وخرج من القضية وقد جمع مالًا وأصبح لديه ما يكفي ليبدأ حياة جديدة، هذه النهاية غير المتوقعة أضافت بُعدًا آخر للشخصية، وجعلتها أقرب لمنطق الحياة الواقعية التي لا تُكافئ الخير دائمًا ولا تُعاقب الشر بالضرورة.
يمكن القول إن نجاح شخصية "ياقوت الدباح" لم يكن صدفة، بل نتيجة معادلة متكاملة: كتابة ذكية منحت الشرير دوافع وعمقًا نفسيًا، وأداء من خاطر استطاع أن يوازن بين القسوة والخفة من دون أن يفقد الشخصية مصداقيتها. والنتيجة كانت شخصية استثنائية كسرت القاعدة الذهبية في الدراما: أن الجمهور يكره الشرير دائمًا، فهذه المرة، أحببنا ياقوت رغم كل ما فعله، وربما بسببه أيضًا.



























