لم تبدأ قصة "غينيس للأرقام القياسية" كمشروع ضخم، بل انطلقت من نقاش بسيط خلال رحلة صيد في أيرلندا. ففي نوفمبر 1951، كان هيو بيفر، المدير الإداري لشركة غينيس للجعة، يشارك في رحلة صيد بمقاطعة وكسفورد، عندما دخل مع أصدقائه في نقاش حول أسرع طائر صيد في أوروبا.

حاول بيفر ورفاقه العثور على إجابة في المراجع المتوفرة لديهم، لكنهم لم يجدوا معلومة حاسمة. عندها راودته فكرة أن مثل هذه الأسئلة لا بد أن تتكرر يومياً في آلاف الحانات في بريطانيا وأيرلندا، من دون وجود مرجع موثوق يقدم إجابات دقيقة عنها.

ومن هذه الفكرة، وُلد مشروع كتاب يجمع أبرز الأرقام القياسية في العالم. وبمساعدة كريستوفر تشاتواي والأخوين ماكويرتر، ظهرت الطبعة الأولى من «غينيس للأرقام القياسية» في 27 أغسطس 1955، وجاءت في 198 صفحة.

ولم يكن نجاح الكتاب فورياً، إذ طُبعت منه نحو 50 ألف نسخة، ولم يتجاوز عدد الطلبات في البداية ستة، قبل أن يتصاعد الاهتمام به سريعاً، ليُباع قرابة 10 آلاف نسخة خلال الأسبوع الأول.

ومع مرور السنوات، تطورت الموسوعة وتبدلت طبيعة محتواها. فبعد أن بدأت كمرجع للحقائق العلمية والأرقام الموثقة، أصبحت تضم مجموعة واسعة من الإنجازات البشرية، من الرياضة والتكنولوجيا إلى الفن والثقافة والظواهر الطبيعية، وصولاً إلى أرقام قياسية شديدة الغرابة والطرافة.

كما ظهرت إصدارات متخصصة، من بينها طبعة مخصصة لأرقام ألعاب الفيديو عام 2008. ومع دخول العصر الرقمي، تجاوزت الموسوعة حدود الكتاب الورقي، فأطلقت قاعدة بيانات إلكترونية وتطبيقات تتيح للأشخاص تقديم طلبات لتسجيل أرقام قياسية جديدة.

وتخضع الأرقام المقدمة لمعايير دقيقة، إذ يجب أن يكون الرقم قابلاً للقياس والكسر والتوحيد، وأن تدعمه أدلة واضحة، مثل القياسات والصور ومقاطع الفيديو وشهادات الشهود. كما تستبعد الموسوعة الأرقام التي تنطوي على مخاطر غير مقبولة على الحياة أو تشجع على التمييز.

ولعل أكثر ما يميز «غينيس» اليوم هو تنوع الأرقام التي توثقها، إذ لا تقتصر على الإنجازات المألوفة. فقد سجل الأميركي نيك ستويبرل رقماً قياسياً لأطول لسان، بطول 10.1 سنتيمترات، بينما حقق البريطاني هاري تيرنر رقماً قياسياً لأكثر جلد قابل للتمدد، إذ وصل تمدد جلده إلى 15.8 سنتيمتراً.

ومن الأرقام الأكثر غرابة، سجل الأميركي جوناثان لي ريتشاردز رقماً قياسياً لرفع أكثر من 4 آلاف دعوى قضائية ضد شركات ورجال أعمال. والمفارقة أنه رفع دعوى قضائية ضد موسوعة غينيس نفسها، معترضاً على طريقة احتساب «إنجازاته» القضائية.

وتضم القائمة أيضاً أرقاماً طريفة، مثل رقم أشريتا فورمان الذي نجح في التقاط 68 حبة عنب بفمه من ارتفاع خمسة أمتار خلال دقيقة واحدة، ورقم الألماني كيفن شيلي الذي حطم 46 مقعداً خشبياً للمراحيض برأسه خلال دقيقة واحدة عام 2007.

أما الإسباني إسماعيل ريفاس فالكون، فحقق رقماً قياسياً من نوع مختلف تماماً، بعدما تمكن من جر قطار بواسطة لحيته، وكان وزن القطار 2753.1 كيلوغراماً.

وهكذا، تحولت فكرة بسيطة نشأت من سؤال خلال رحلة صيد إلى مؤسسة عالمية توثق آلاف الإنجازات سنوياً، لتصبح «غينيس للأرقام القياسية» مرجعاً لكل من يطمح إلى تحطيم رقم سابق أو تسجيل إنجاز لم يسبقه إليه أحد.