يتسارع عمالقة التكنولوجيا على تطوير مساعدين للذكاء الاصطناعي قادرين على معرفة المزيد عن مستخدميهم، من اهتماماتهم وعاداتهم إلى تفاصيل حياتهم اليومية. ومع هذا التطور، يبرز سؤال أساسي حول مصير المعلومات التي نشاركها مع هذه الأنظمة، وما إذا كنا ندرك فعلًا طبيعة البيانات التي نمنحها لها عند بدء المحادثة.
وبحسب تقرير نشره موقع Axios، تختلف الشركات في طريقة تعاملها مع بيانات المستخدمين، خصوصًا في ظل غياب قوانين موحدة وواضحة تنظم جمع هذه المعلومات واستخدامها. فبينما تركز بعض الشركات على حماية الخصوصية، تمنح شركات أخرى أنظمتها صلاحيات أوسع للاستفادة من البيانات.
وتعتمد آبل نهجًا يركز على معالجة أكبر قدر ممكن من الطلبات على جهاز المستخدم نفسه، بحيث لا تغادر البيانات الجهاز إلا عند الحاجة. وفي الحالات التي تتطلب قدرات حوسبة أكبر، تستخدم الشركة نظامًا سحابيًا خاصًا لمعالجة الطلب، وتؤكد أن البيانات تستخدم لتنفيذ الطلب الحالي ثم يجري التخلص منها. لكن هذه الحماية لا تمتد بالضرورة إلى الخدمات الخارجية التي يختار المستخدم الاستعانة بها، مثل ChatGPT.
في المقابل، تتبع ميتا سياسة أكثر توسعًا في استخدام بيانات محادثات المستخدمين مع Meta AI، إذ يمكن الاستفادة منها في تخصيص المحتوى والإعلانات التي تظهر لهم عبر منصاتها المختلفة، بما فيها فيسبوك وإنستغرام والنظارات الذكية. وتقول الشركة إنها لا تستخدم المحادثات المتعلقة بموضوعات حساسة، مثل الصحة والسياسة والدين، لهذا الغرض. كما توفر محادثات مؤقتة تتيح للمستخدمين إجراء محادثات لا تحتفظ بها الشركة.
أما بقية خدمات الذكاء الاصطناعي فتتبنى في الغالب حلولًا وسطًا، إذ تمنح المستخدم خيارات متفاوتة للتحكم في بياناته. بعض الخدمات توفر محادثات مؤقتة، وأخرى تطلب موافقة صريحة على استخدام البيانات، بينما تعتمد خدمات أخرى على الموافقة الافتراضية ما لم يغير المستخدم الإعدادات بنفسه. كما تختلف طريقة التحكم في ذاكرة المساعد من خدمة إلى أخرى، بين خيارات بسيطة وأخرى تتطلب الدخول في إعدادات متعددة.
لكن القضية الأهم لم تعد تتعلق فقط بما إذا كانت الشركة تستخدم المحادثات لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي، وإنما بالصورة التي يبنيها النظام عن المستخدم مع مرور الوقت.
فالذكاء الاصطناعي لا يتعامل مع البيانات باعتبارها معلومات منفصلة، بل يستطيع ربط التفاصيل ببعضها لفهم شخصية المستخدم واهتماماته وعاداته وطريقة تفكيره. ومع تراكم هذه المعلومات، يمكن أن يتشكل ملف رقمي بالغ التفصيل عن كل شخص.
وقد تستخدم الشركات هذا الفهم لتقديم إجابات أكثر دقة وتخصيصًا، لكنها قد تستفيد منه أيضًا في زيادة مدة استخدام الخدمة، وتوجيه المحتوى، وربما التأثير في القرارات والاختيارات الاستهلاكية للمستخدم.
ومع بحث شركات كبرى مثل غوغل وميتا وOpenAI عن طرق لإدخال الإعلانات إلى تجارب الذكاء الاصطناعي، تصبح البيانات الشخصية أكثر قيمة من أي وقت مضى. فكلما عرف النظام المستخدم بشكل أفضل، أصبح من الممكن تقديم إعلانات ومحتوى أكثر توافقًا مع اهتماماته وسلوكياته.
وتحذر خبيرة التكنولوجيا ميراندا بوغن من أن الاعتماد المتزايد على المساعدات الذكية قد يدفع الناس إلى مشاركة أجزاء أكبر من حياتهم الرقمية معها بشكل طوعي. فكل معلومة جديدة يشاركها المستخدم قد تجعل النظام أكثر قدرة على فهمه، وفي الوقت نفسه قد تدفعه إلى طلب معلومات أكثر خصوصية بطريقة تبدو طبيعية أثناء الحوار.
وفي النهاية، قد يرى كثيرون أن الحصول على مساعد ذكي يفهم احتياجاتهم ويقدم لهم خدمة شخصية يستحق التخلي عن جزء من الخصوصية. لكن المشكلة تكمن في أن المستخدم قد لا يعرف حجم هذه المقايضة إلا بعد أن تصبح بياناته جزءًا من منظومة أكبر يصعب عليه التحكم فيها.