يبدأ "ولنا في الخيال حب" من مكان يبدو مألوفاً إلى حد كبير.
شاب وفتاة، نوح ووردة، يدرسان في أكاديمية الفنون، وتجمعهما علاقة طويلة تبدو في ظاهرها مستقرة، قبل أن تبدأ الاختلافات بينهما في كشف تصدعات لم تكن واضحة من البداية. وبينما يحاول نوح أن يجد في الحب صورته المثالية، تقوده المصادفة إلى فتاة يراها من بعيد، فيتعلق بها ويظن أنها جارته الجميلة. من هنا تبدأ الحكاية في الانحراف عن مسارها المتوقع، ويفتح الفيلم باباً لم يكن المشاهد يتوقع وجوده أصلاً.
فالفتاة التي يراها نوح ليست فتاة في الحقيقة، وإنما دمية صنعها أستاذه يوسف مراد على هيئة زوجته الراحلة.
هذه اللحظة هي واحدة من أهم مفاتيح الفيلم، ليس لأنها مجرد مفاجأة سردية، وإنما لأنها تعيد ترتيب كل ما سبقها. ما ظنناه في البداية قصة حب غريبة الأطوار يتحول فجأة إلى حكاية عن الفقد والموت، فاختار أن يصنع له جسداً جديداً كي يواصل العيش إلى جواره. وفي الجهة الأخرى، يكتشف نوح أن الحب الذي ظن أنه وجده لم يكن سوى صورة مثالية صنعها خياله وأسقط عليها ما يبحث عنه.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر نقاط قوة "ولنا في الخيال حب": قدرته على اللعب بالمسافة الدقيقة بين الحب والخيال والوهم. فالمفاجأة ليست أن الفتاة دمية فحسب، وإنما أن الشخصيات نفسها تعيش، بدرجات مختلفة، في حب أشياء لا تستطيع امتلاكها كما هي في الواقع. نوح يحب صورة متخيلة للحب، ويوسف يتمسك بصورة زوجته بعد رحيلها، ووردة تجد نفسها تدريجياً داخل عالم لم تخطط لدخوله، لكنها تصبح جزءاً منه أكثر مما تتوقع.
واللافت أن الفيلم لا يكتفي بهذه المفاجأة، بل يواصل تحريك الحكاية كلما اعتقدنا أننا بدأنا نفهمها. انفصال نوح ووردة، الذي يبدو في البداية مجرد خلاف بين حبيبين، يصبح مدخلاً إلى علاقة أكثر تعقيداً بين وردة ويوسف. ثم تصل وردة، بمحض الصدفة، إلى سر الأستاذ، فتنتقل من موقع المتفرج على هذا العالم الغريب إلى واحدة من الشخصيات التي تؤثر فيه وتتغير بسببه.
وهنا تبدأ شخصية يوسف نفسها في اكتساب معنى مختلف. في ظهوره الأول، يبدو أستاذاً غريب الأطوار، كأنه جاء من زمن آخر واستقر بالخطأ في عالمنا. يعيش على أسطوانات الغراموفون، يسخّن الماء على الموقد، ويتمسك بتفاصيل يومية تبدو منفصلة عن العصر الذي يعيش فيه. لكن الفيلم، بدلاً من أن يترك هذه الغرابة بوصفها مجرد سمة شخصية، يمنحها سبباً إنسانياً أكثر قسوة: خلف الرجل الذي يبدو عالقاً في الماضي يقف شخص لم يفقد زوجته فقط، وإنما فقد معها جزءاً من حياته، وظل يحاول مقاومة معنى الغياب بطريقته الخاصة.
ومن هنا تصبح الدمية أكثر من مجرد عنصر غرائبي في الحكاية. إنها تجسيد لفكرة التمسك بالماضي نفسها، محاولة لتحويل الذكرى إلى شيء يمكن رؤيته ولمسه والحديث إليه. يوسف لا يريد أن يتذكر زوجته فقط، بل يريد أن يرفض حقيقة أنها رحلت. وكأن الخيال بالنسبة إليه لم يعد مساحة للحلم، وإنما وسيلة لتأجيل الحزن.
حتى علاقة وردة بيوسف تحمل تحولاً لافتاً. فالفتاة التي تدخل حياته في البداية باعتبارها طالبة، تتحول تدريجياً إلى شخص يساعده على مواجهة حزنه والعودة إلى الحياة. وهنا تنقلب الأدوار بهدوء: الأستاذ الذي يفترض أن يكون صاحب الخبرة يصبح هو من يحتاج إلى من يعلمه كيف يبدأ من جديد، وكيف يفهم أن الوفاء للماضي لا يعني بالضرورة أن يعيش الإنسان داخله إلى الأبد.
ومن أجمل ما يفعله الفيلم أنه لا يقدم مفاجآته باعتبارها ألغازاً بوليسية أو حبكات ملتوية لمجرد الإدهاش، وإنما يجعل المفاجأة مرتبطة بتغير نظرتنا إلى الشخصيات. ما يبدو غرابة قد يكون حزناً، وما يبدو حباً قد يكون وهماً، وما يبدو انفصالاً قد يكون بداية لاكتشاف الذات. وكل معلومة جديدة لا تضيف حدثاً إلى القصة فحسب، بل تعيد تفسير ما حدث قبلها.
وهذا يتناغم بوضوح مع الروح التي يستلهمها الفيلم من كتاب عالم كوبيليا وأسطورة بغماليون، عالم تتداخل فيه الحدود بين الإنسان والصورة، وبين الحقيقي والمتخيل، وبين الشخص كما هو والشخص كما نريد أن نراه. لذلك يصبح السؤال الأهم في الفيلم ليس: "هل يمكن للإنسان أن يحب دمية؟"، وإنما سؤال أكثر اتساعاً: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يحب الصورة التي صنعها خياله؟
الفن والموسيقى والاستعراض، إلى جانب حضور فان غوخ، تضيف بدورها طبقة أخرى إلى هذا العالم. الكاتبة سارة رزيق لا تبني واقعاً تقليدياً تماماً، وإنما تقدم عالماً أقرب إلى مساحة تتعايش فيها الحياة مع الصورة التي يتخيلها أصحابها عنها. الشخصيات لا تحاول فقط أن تعيش، بل تحاول أن تعيش كما تتصور الحب والفن والجمال والحياة، حتى عندما يكون الواقع من حولها قد أصبح أكثر قسوة واختلافاً.
ولعل هذا هو ما يجعل كثيراً من أحداث الفيلم غير متوقعة. فالشخصيات نفسها لا تسير دائماً وفق المنطق الذي ننتظره منها. لا نعرف إلى أين سيقود تعلق نوح بالفتاة التي يراها في الشرفة، ولا ماذا ستفعل حقيقة الدمية بالعلاقات بين الشخصيات، ولا كيف ستتغير وردة بعد دخولها عالم يوسف، ولا إلى أين يمكن أن يصل رجل قرر أن يعيش مع ذكرى زوجته بدلاً من مواجهة غيابها.
ومع كل تحول، يعيد الفيلم دفعنا خطوة أخرى بعيداً عن الحكاية التي ظننا أننا نشاهدها في البداية. قصة الحب الأولى تتسع لتصبح قصة عن الفقد، ثم عن الخيال، ثم عن محاولة الإنسان أن يجد لنفسه مخرجاً من واقع لا يستطيع احتماله. ولهذا فإن الرحلة أهم من المفاجأة نفسها؛ لأن الفيلم لا يريد فقط أن يقول لنا إن ما رأيناه لم يكن كما اعتقدنا، وإنما يريد أن يسألنا لماذا صدقناه بهذه الصورة من الأساس.
وفي النهاية، يصل الفيلم إلى لحظة استعراضية تجمع الشخصيات في مشهد يبدو كأنه خلاصة بصرية لما سبق: الفرق بين الخيال والوهم، بين أن نحلم بالحياة وأن نهرب منها، وبين أن نحتفظ بمن نحب في ذاكرتنا وأن نحول ذكراه إلى بديل عن وجوده الحقيقي. قد تبدو النهاية أكثر مباشرة مما ينبغي بالنسبة إلى بعض المشاهدين، لكن ذلك لا يلغي أن الطريق إليها كان مليئاً بالتحولات التي جعلت الحكاية تتحرك في اتجاهات لم تكن واضحة منذ البداية.
في جوهره، الفيلم حكاية عن أشخاص يحاولون العثور على الحب في عالم لا يشبه الصورة التي رسموها له في مخيلتهم. نوح يبحث عن حب مثالي، فيكتشف أن المثالية قد تكون وهماً. ويوسف يتمسك بصورة الماضي، فيكتشف أن الصورة لا تستطيع أن تعيد الحياة إلى ما فقده. أما وردة، فتجد نفسها بين هذين العالمين، لتتعلم أن الحب لا يعني دائماً أن نتمسك بما نتخيله، وإنما أن نمتلك الشجاعة لمواجهة ما هو موجود فعلاً.
وربما لهذا تحديداً يستحق "ولنا في الخيال حب" أن يُرى بوصفه تجربة شابة ومختلفة، تجربة لا تخلو من العثرات، لكنها تمتلك شيئاً مهماً جداً في السينما: الرغبة في أن تفاجئك. والأهم من ذلك، أن تجعلك بعد انتهاء الحكاية تعود إلى بدايتها في ذهنك، وتنظر إلى الشخصيات والأحداث نفسها من زاوية أخرى.
فبعض الأفلام تنتهي عندما تظهر التترات الأخيرة، أما "ولنا في الخيال حب" فيترك حكايته معلقة قليلاً في ذهن المشاهد، لأن السؤال الذي يطرحه لا يتعلق بالدمية وحدها، ولا بالحب وحده، وإنما بذلك المكان الغامض الذي تبدأ فيه مخيلتنا بصناعة الأشياء التي نحبها، ثم نكتشف، متأخرين، أنها ربما كانت تكشف لنا عن أنفسنا أكثر مما تكشف عن العالم من حولنا.


























