كتب الزميل والشاعر والممثل اللبناني سليم علاء الدين مقالاً عن الخوف من الحب في زمن الحرب، ننشره لكم عبر موقع "الفن".
" حكاية الخوف من الحب في زمن الحرب
وصبايا الحبق اللواتي يصلحن ما تفسده نساء المدينة
بعد كل خيبة عاطفية مررت بها، كنت أغادر بيروت بكل ضجيجها وذكرياتها الثقيلة، وأذهب بكامل قوايَ العقلية والنفسية والجسدية إلى مسقط رأسي كفرحمام بين سفوح حرمون الجنوبية والمدى المفتوح على جمالٍ ما بعده جمال، وعلى بلادٍ أنهكتها الحروب وأتعبها الخذلان. هناك كنت أستعيد نفسي المبعثرة. كانت تلك القرية بالنسبة لي ملاذاً آمناً، وكتفاً أستند إليه لأعيد ترتيب ذاتي ولأتذكر أن الحياة لا تُختصر بعلاقة عبرت، وأن الأرض أوسع بكثير من وجع القلب الضيق.
في كفرحمام وفي خلة مخايل تحديداً، كنت أعيش معظم الوقت وحيداً في بيتي الذي غنيتُه كثيراً كمثل قولي فيه
"يا بَيْتنا لْواقِفْ بِوِجّ الشَّمْسْ
عَمْ بِسْمَعَكْ لِلضَّوْ شو قايِلْ
مْخَبّي لْحَكي بِقْلامْ
وْبِكْفَرْحَمام مْخَرْطشو بِالْهَمْسْ
وْعَا قَدّ مَ هْموم الدّني شايِلْ
حْكيتو شِعِرْ بِخَلِّة مْخايِلْ"
لكنها لم تكن عزلة موحشة، فقد أطلقتُ على كل الأشجار والزرع والنباتات هناك أسماءً خاصة، وكتبت لها الشعر، وكنت أحادثها كأنها كائنات تسمع وتتأثر، فتجدني أغنّي للسنديانة "عشتروت" وأرفع الكأس مع السنديانة "باخوس"، وأدردش مع "صبايا الحبق" التي كانت تصلح دائماً ما أفسدته نساء المدينة والتي أهديتها كتابي وسميته باسمها، حتى المزراب كان يجادلني وينصحني في ليالي الشتاء القارسة، ففي الكتاب نفسه أقول نقلا عن لسانه
"لِفّ الْحَكْيِ لْمَعْجُوقْ عَ التَلِّي
غَطَّي السَّما بِسْكوت
غَنِّي قَبِل ما تِطْوِشَكْ ببَيْرُوت
وِتْصَيّرَك كِلْمِي نِسِيها كْتاب
هَيك بْوَجَع قال لي
لمّا حِكي لمِزْراب بِالخَلِّي"
كما أنني كنت ألتقي بين الفينة والأخرى بأصدقاء لي من قريتي والقرى المجاورة.
كنت في "الخلة" أبني مملكتي الخاصة في ذلك "البيت الصامد في الجنوب"، أمارس هواياتي مستمتعاً بصنع المونة بل بتشكيلها فنّا ً وحبّاً فأراقص التينة المعقودة، وأستمتع بقصائد المخللات، وأطربُ لطعم دبس الرمّان وتدهشني ظلال الكشك المتغيرة مع حركة النهار، أما زيت الزيتون فقد كان هو المايسترو الأكبر.
تلك "الخلّة" الكفرحمامية المتشحة بطاقات الحب والخير والجمال، وبكل عناصر طبيعتها البكر كانت في كلّ مرّة جغرافيا تداوي الروح، لكن شياً ما تغير هذه المرة. الحرب عادت قبل سنوات ولمّا تنتهِ بعد، فاضطررت للعودة إلى مطارح كثيرة قبل الاستقرار من جديد في مدينتي بيروت.
في بيروت المبلسِمة لآلام النزوح والتهجير كعادتها، وبعد أشهرٍ قليلةٍ أعجبتني امرأة، امرأةٌ جميلة، أجمل ما فيها أن سحرها يشعّ من ثقافتها الواسعة، ورزانتها، وهدوئها الآسر الذي يعطي ذلك النوع النادر من الطمأنينة التي تدعو الإنسان إلى التفكير بالأيام الآتية وبألف موعدٍ ولقاء، وعدم الاكتفاء بلذة اللحظة الهاربة. وبالرغم من كل الكيمياء والفيزياء وكل العلوم العامة والإنسانية التي تدعو للإقتراب هربت.
لم يكن هروبي إلّا خوفاً، خوفاً من أن تتكرر حكاياتي القديمة، وأن أجرّ خلفي أذيال خيبةٍ جديدةٍ دون أن أستطيع العودة حتى إلى ملجئي كفرحمام بسبب الحرب، لأتعافى. وكأنني باستسلامي للحب في زمن الحرب، لن أُشْفى، بعد حرماني من آخر أمكنة النجاة المتبقية لي على هذه الأرض.
ثم خطر لي سؤال لم أكن قد سألته لنفسي سابقاً، بما أن حكايتي رسمت المكان إنساناً، هل يمكن أن يصبح الإنسان مكاناً ؟ قبل أن أُدرك أننا نسكن الناس الذين نحبّهم كما نسكن البيوت.
أدركتُ أنّ هناك من يمنحنا حضورهم شعوراً دافئاً يشبه العودة إلى المنزل، حتى لو كنّا غريبين في مدينة غريبة، وأنّ هناك أيضاً من يزرع في قلوبنا سَكينةً حقيقيةً تعجز كل تضاريس الجغرافيا عن منحها لنا.
بَيدَ أنّه، في الوقت نفسه، ثمة خطرٌ وجوديٌ كبيرٌ في أن نحول شخصاً ما إلى "وطننا الوحيد". فالأمكنة ثابتةٌ وتبقى، أما البشر فلهم طرقهم الملتوية، واختياراتهم المتقلبة، وظروفهم التي تفرضها الحياة. النضج الحقيقي هو أن نتوقف عن تحميل الحب كل ما لا يحتمله من أثقالٍ وأوهامٍ بدل أن نتوقف عن الحب. والأمان هو أن تبقى كفرحمام بدايتي ونهايتي، والشعر حكايتي، والموسيقى ملاذي، والكتابة نافذتي المفتوحة، وأن تكون "هي" رفيقة طريق، إن لم تكُ رفيقة الطريق.
اليوم، وأنا أعيد قراءة مشاعري، أعلم جليّاً أنني هربتُ من ذاكرتي المثقوبة بالخذلان ولم أهرب من امرأة، هربتُ من خيبات قديمة أقنعتني زوراً بأن كل بداية وعَدت بالبقاء، تحمل في طياتها نهاية مؤلمة. لكنني أعلم أيضاً أن الخوف يحرمنا ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ من أجمل احتمالات الحياة وأروع بداياتها ولا يحمينا أبداً من الألم. ولعل السؤال الذي يستحق منّا أن نحياه بكل تفاصيله، لا أن نجيب عنه ببضع كلماتٍ تمرّ مرور الكرام هو هل يستحق الخوف من خيبةٍ محتملةٍ، أن يجعلنا نتخلى بكامل إرادتنا عن احتمال وطنٍ جديد؟"





























