لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي يقتصر على الابتكار والسرعة، فمع التوسع الهائل في استخدامه بدأت كلفته البيئية تظهر بوضوح.
فخلف كل سؤال يُطرح على روبوتات المحادثة، وكل صورة أو فيديو يُولَّد بضغطة زر، تعمل آلاف الخوادم بلا توقف، مطلقة كميات هائلة من الحرارة، ومستهلكة كميات ضخمة من الكهرباء والمياه.
كشف باحثون أن مراكز البيانات التي تشغّل تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت تترك أثراً بيئياً يتجاوز استهلاك الطاقة، بعدما تبيّن أنها ترفع حرارة المناطق المحيطة بها لتكوّن ما يُعرف بـ"الجزر الحرارية الرقمية".
وبحسب دراسة حديثة اعتمدت على بيانات أقمار صناعية ورصدت أكثر من 11 ألف مركز بيانات حول العالم، فإن حرارة سطح الأرض قرب هذه المراكز قد ترتفع بما يتراوح بين 0.3 و9.1 درجات مئوية، مع إمكانية ملاحظة التأثير حتى على مسافة تصل إلى 10 كيلومترات.
ولا يقتصر الأمر على الحرارة فقط، إذ تشير التقديرات إلى أن مئات الملايين من الأشخاص يعيشون في مناطق تتأثر بشكل مباشر بهذه الزيادة، بينما تسهم هذه المراكز أيضاً في إطلاق انبعاثات كربونية تعزز ظاهرة الاحتباس الحراري.
ويعود السبب إلى طبيعة عمل مراكز البيانات، التي تضم آلاف الخوادم العاملة على مدار الساعة لمعالجة مليارات الطلبات اليومية القادمة من مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي حول العالم. وكلما ارتفع عدد المستخدمين، ازدادت الحاجة إلى تشغيل مزيد من الأجهزة وأنظمة التبريد، ما يعني استهلاكاً أكبر للطاقة وإنتاجاً أكبر للحرارة.
ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، إذ حذرت تقارير دولية من أن استهلاك هذه المراكز للمياه قد يصل خلال السنوات المقبلة إلى مستوى يعادل استهلاك 1.3 مليار شخص، نتيجة الحاجة المستمرة إلى تبريد الخوادم العملاقة.
كما تتوقع التقديرات أن تتوسع مساحات مراكز البيانات بشكل كبير مع استمرار سباق شركات التكنولوجيا في تطوير الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي سيزيد الضغط على الأراضي والموارد الطبيعية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي يمثل الجزء الأكبر من استهلاك الطاقة في هذه المراكز، بينما يعد توليد الصور ومقاطع الفيديو الأكثر استنزافاً للموارد، إذ يحتاج إنشاء صورة واحدة إلى طاقة تفوق بكثير معالجة الطلبات النصية.
وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت شركات تقنية بدراسة حلول جديدة، مثل إعادة استخدام الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات، والاعتماد على مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى إنشاء بعض المراكز في مناطق أكثر برودة لتقليل الحاجة إلى التبريد.
ومع استمرار الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي، يتزايد الجدل حول كيفية تحقيق التوازن بين التطور التقني والحفاظ على البيئة، في وقت يرى فيه خبراء أن مستقبل هذه التكنولوجيا لن يعتمد فقط على قدراتها، بل أيضاً على قدرتها على تقليل بصمتها البيئية.























