بعد طول انتظار واشتياق من الجماهير لإطلالات الفنان المصري محمد رمضان السينمائية، إستقبلت دور العرض اللبنانية حالياً فيلمه الجديد "أسد"، والذي جاء ليثبت مجدداً أننا أمام عمل سينمائي من طراز رفيع. والحقيقة المهنية التي لا يمكن إنكارها، هي أن رمضان يُعد من الممثلين القلائل الذين يمتلكون رؤية ثاقبة وذكاءً حاداً في اختيار النصوص التراجيدية والعميقة، ولعل هذا ما يتجلى بوضوح في "أسد"، إذ جاء اختيار الممثلة اللبنانية رزان جمّال للمشاركة في البطولة اختياراً موفقاً وناجحاً إلى أبعد الحدود، ليثمر ثنائية درامية استثنائية.

يغوص الفيلم في أعماق التاريخ، ليروي لنا فصولاً من "ثورة العبيد" ضد الاستعباد الأرستقراطي في مصر، وفي هذا السياق، يجسد رمضان دور "العبد" بمعناه الإنساني والوجودي العميق، ذاك الإنسان المستعبد الذي يرزح تحت وطأة الظلم والتمييز على أساس العرق واللون. إنها قصة قوية وبنيان درامي متماسك يحمل في طياته هدفاً نبيلاً ورسالة سامية. ورغم أن الأحداث تأخذ في كثير من الأحيان طابعاً حزيناً ومستفزاً للمشاعر، إلا أنها تتوازن بمواقف بالغة الجمال صاغتها الأداءات الرفيعة لجمّال ورمضان، وبقية طاقم العمل، يرافقها إخراج متميز وصورة سينمائية مبهرة.

إن القيمة الحقيقية لفيلم "أسد" تكمن في قدرته على إسقاط أحداث الماضي على واقعنا المعاصر، فالاستعباد بمفهومه التقليدي القائم على الأغلال وسلطة "السيد" على "العبد" قد يكون انحسر ظاهرياً في العصر الحديث، لكنه في الواقع اتخذ أشكالاً أخرى خفية ومبطنة نعيشها اليوم ضمن الفوارق الطبقية الحادة بين الثراء الفاحش والفقر.

إن العبودية الحديثة تتمثل في الاستغلال الذي يتعرض له الإنسان في بيئة عمله، استغلالاً مادياً، وجسدياً، بل وحتى فكرياً، إذ يُجبر الكثيرون على رهن قواهم الإنسانية مقابل تأمين لقمة العيش. الظلم لم ينتهِ، بل تلوّن، ولم يعد التمييز حكراً على لون البشرة، بل أفرزت الصراعات والحروب المعاصرة صوراً متجددة من الاضطهاد القائم على الأرض والعقيدة والنفوذ.

وكي يبلغ الإنسان حريته الحقيقية، يُظهر لنا الفيلم أن الحل يكمن في تماسك الشعوب، والتمسك بالأرض، والاعتزاز بالهوية، وتُعيدنا مشهدية الثورة في الفيلم إلى رمزية المقاومة الإنسانية الكبرى، إذ تواجه الجموع الحاشدة السلاح بالثبات، وتُجبر قوى الظلم في النهاية على الإذعان لمنطق الحرية.

يقدم رمضان في هذا الفيلم درساً بليغاً في النضج الفني، فلم يكن ذلك البطل التقليدي الذي يعتمد على القوة البدنية والمشاحنات وافتعال الأزمات كما في بعض أعماله السابقة، بل أطل علينا بطلاً يُفكر بعقله، ويقود الموقف بإنسانيته وعمق مواقفه ومبادئه، إنه "أسد" بمواجهته للصعاب وثباته على القضية.

وفي المقابل، تفوقت جمّال على نفسها، وقدمت أداءً غير مسبوق في مسيرتها، فلم تنحصر في دور المرأة الجميلة المحبوبة فحسب، بل جسدت دور "ليلى"، التي تقف كتفاً بكتف مع زوجها في عز الثورة، وتتحمل مسؤولية إكمال المسيرة من بعده. لقد أتاح لها هذا الدور مساحة تعبيرية واسعة استعرضت فيها طاقاتها الإبداعية الخالصة، واستطاع المخرج بذكائه أن يُبرز كل طاقاتها الجمالية والإبداعية. كما تبارى جميع الممثلين في تقديم أداء إبداعي لافت، بما في ذلك الأطفال الذين جسدوا أدوارهم ببراعة مدهشة تفاعل معها حتى المخرجون والنقاد.

"أسد" ليس مجرد فيلم تاريخي، بل هو صرخة كل إنسان يطمح للعدالة في مجتمعاتنا الحالية. ولهذا السبب ينجح رمضان دائماً في ملامسة وجدان الجماهير، لقدرته على تجسيد الشخصيات التي تشبه واقعنا وتعبّر عن هواجسنا، ما يضمن له صدارة الساحة السينمائية العربية بلا منازع. نهاية الفيلم جاءت لتثلج الصدور وتؤكد أن كفاح الشعوب من أجل الانعتاق والحرية لا يذهب سدى.