في إنجاز علمي غير مسبوق يزيح الستار عن أسرار سحيقة من تاريخ الأرض، عثرت بعثة علمية على أقدم وأكبر مقبرة للحيتان في تاريخ البشرية، جاثمة في أعماق المحيط المتجمد الجنوبي.

المقبرة الأسطورية التي احتضنت رفات نحو 500 حوت، اكتُشفت داخل صدع بحري غائر يفصل بين أستراليا والقارة القطبية الجنوبية، لتقدم للعلماء نافذة فريدة على الحياة البحرية قبل ملايين السنين.
وطبقاً للدراسة الرفيعة التي تصدرت مجلة "نيتشر" (Nature) العلمية، فإن هذا المستودع المائي الهائل يمتد على طول صدع "ديامانتينا" لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، وعلى عمق سحيق يبلغ 7002 متر تحت سطح الماء، حيث تبين أن بعض الحفريات المكتشفة هناك استقرت في مكانها منذ 5.3 مليون سنة.
الرحلة التي قادها الباحث "شياوتونغ بنغ" من الأكاديمية الصينية للعلوم، انطلقت مطلع عام 2023 على متن الغواصة المأهولة "فيندوزه" (Fendouzhe). وخلال أسابيع من البحث الشاق أجرى الفريق خلالها 32 غطسة عميقة، نجح العلماء في رصد 485 موقعاً لبقايا الحيتان، كان من بينها 476 هيكلاً متحجراً، إلى جانب 5 "واحات حيتان" نشطة، وهي عبارة عن مجتمعات بيئية مصغرة تزدهر مؤقتاً حول جثث الحيتان حديثة النفوق.
وقد كشفت الفحوصات أن أقدم جمجمة في الموقع تعود إلى 5.26 مليون سنة، وأن أغلبية الهياكل تنتمي إلى "الحيتان المنقارية"، وهي سلالة تمتلك عظاماً شديدة الكثافة والصلابة ساعدتها على مقاومة الفناء والتحلل عبر العصور. ويلعب الصدع البحري، الجغرافي التكوين على شكل حرف (V)، دور "المكنسة الطبيعية" أو القمع الذي يجتذب جثث الحيتان النافقة من شتى أرجاء المحيط ويجمعها في هذا العمق.
ولم يتوقف الاكتشاف عند حدود العظام؛ بل رصد العلماء بيئة حيوية مذهلة تنبض بالحياة فوق هذه الجثث، تمثلت في ديدان "أوسيدا" المفترسة للعظام، ورخويات فريدة تعتمد على بكتيريا ذات تغذية كيميائية تشبه تلك التي تعيش حول الفتحات البركانية في قاع المحيط. وكانت المفاجأة الكبرى للبعثة هي نجاحها في تحديد بقايا لنوع من الحيتان المنقرضة التي لم يسبق للعلم تدوينها، ليضاف هذا الكشف إلى سجل الاكتشافات التاريخية الأخيرة، ويمنح العلماء مفتاحاً جديداً لفك شفرات النظم البيئية للأعماق السحيقة.