احتضنت كاتدرائية القديسين غريغوريوس وإلياس النبي للأرمن الكاثوليك في وسط بيروت أمسية موسيقية استثنائية، أحيتها الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو وعازف البيانو العالمي كريم سعيد، وذلك بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى "الكونسرفتوار" الدكتورة هبة القواس.
وقد شكّل الحدث مساحة التقت فيها الثقافة الرفيعة بالوجدان اللبناني المعاصر، لتسطر فصلاً جديداً من فصول الصمود الإبداعي والتحدي عبر الفن.
استُهل الحفل بكلمة لراعي الكاتدرائية الأب رافي أوهانسيان، عبّر فيها عن فخره باستضافة الأمسية في الكنيسة التي تفتح أبوابها دائماً لتكون ملاذاً للروح، وجّه خلالها الشكر للكونسرفتوار ورئيسته على جهودهم في نشر ثقافة السلام والحياة. وفي كلمتها، أكدت الدكتورة هبة القواس استمرار الرسالة الوطنية للمعهد من خلال سلسلة حفلات "سمفونيات الصمود" في زمن الحرب، واصفة الموسيقى في بيروت بأنها فعل تحدٍّ وجودي يعيد صناعة الأمل ويجمع القلوب، كما شكرت الجمهور على شجاعته ومشاركته في هذا المسار الثقافي.
وشهدت الأمسية إعلان الدكتورة القواس عن نيل المايسترو كريم سعيد "وسام الملك عبد الله الثاني للتميز" تقديراً لإسهاماته الباهرة في إثراء الحياة الفنية، مؤكدة أن وجوده كفنان مقيم يمثل قيمة كبرى للأوركسترا. كما جرى تقديم العرض العالمي الأول لمقطوعة "افتتاحية: لبنان 2026" التي ألفها الموسيقار عبد الله المصري في أيام قليلة بطلب من القواس، لتلائم حجم الأوركسترا الحالي الذي فرضته ظروف الحرب. وضم الحفل أيضاً مشاركة مميزة لعازف بيانو شاب من تلامذة البروفسورة د. ميرا زنتوت، ويتابع دروسه مع المايسترو سعيد؛ حيث تمكن في وقت قياسي من حفظ المعزوفات وتقديمها بجدارة، وسط تحية إجلال لعازفي الفلهارمونية الذين يتحدون الظروف لتوجيه الجيل الأصغر.
افتتحت الأوركسترا الحفل بمقطوعة عبد الله المصري "افتتاحية: لبنان 2026"، وهي عمل درامي تراجيدي امتد لإحدى عشرة دقيقة ليعكس بمرارة وقلق معانات الوطن ونبض المرحلة الراهنة. ورغم حداثة لغته الموسيقية، حافظ العمل على صلة وجدانية مع المستمع من خلال ملامح لحنية عربية متخفية وتصاعد نغمي يمتد حتى الرمق الأخير. بعد ذلك، قاد المايسترو كريم سعيد الأوركسترا من على كرسي البيانو في آن معاً، مقدماً قراءة عذبة لـ "كونشرتو البيانو رقم 23" لموتسارت، تراوحت حركاته بين التداخل السوناتي المتماسك، والشاعرية الأوبرالية الشفيفة، والحيوية الدافقة.
وفي الجزء الثاني، قدمت الأوركسترا الفلهارمونية "السمفونية رقم 3 (إرويكا)" لبيتهوفن، حيث قاد المايسترو سعيد العازفين باقتدار عبر حركاتها الأربع، غائصين في الحركة الثانية "المسيرة الجنائزية" بتأملاتها المأساوية حول التضحية والمعاناة، قبل الانتقال إلى الحركات السريعة والختام باثنتي عشرة تنويعة موسيقية معقدة. ومع نهاية الحفل، تركت النغمات أصداءها تحت قبة الكاتدرائية كشاهد على أن الإبداع في لبنان لا ينكسر، وأن بيروت ستبقى منارة حاضنة لثقافة الحياة وتكتب قيامتها بنوتة موسيقية عابرة للأزمنة.






















