لم يكن الممثل المصري عبد العزيز مخيون مجرد اسم عابر في تاريخ الدراما العربية، بل كان واحداً من أبرز وجوه جيله الذين أسسوا لحضور فني متين امتد عبر المسرح والسينما والتلفزيون لأكثر من خمسة عقود. قدّم خلال مسيرته عشرات الأدوار التي اتسمت بالعمق والتنوع، واستطاع أن يترك بصمة واضحة في ذاكرة المشاهد العربي، من خلال شخصيات أصبحت جزءاً من الأعمال الدرامية الكلاسيكية، مثل طه السماحي في "ليالي الحلمية" ووحيد في "الشهد والدموع"، إلى جانب مشاركته في أعمال سينمائية مهمة مع كبار المخرجين.
وفي ختام مسيرته الفنية الحافلة، ومع تقدمه في العمر، تعرض عبد العزيز مخيون لأزمة صحية استدعت دخوله المستشفى، حيث تدهورت حالته لاحقاً رغم المتابعة الطبية، ليفارق الحياة عن عمر ناهز 83 عاماً، منهياً بذلك رحلة طويلة من العطاء الفني الذي امتد لأكثر من نصف قرن، تاركاً إرثاً فنياً كبيراً سيبقى حاضراً في تاريخ الدراما المصرية والعربية.
النشأة والبدايات
وُلد عبد العزيز صالح مخيون في 3 حزيران/يونيو 1943 بمدينة أبوحمص في محافظة البحيرة المصرية. ومنذ طفولته أظهر شغفاً كبيراً بالفن، فشارَك في العروض المسرحية المدرسية، كما اهتم بالموسيقى وتعلم العزف على آلة الكمان. وبينما راوده حلم الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، قاده شغفه الأكبر بالتمثيل إلى الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث صقل موهبته وأعد نفسه لمسيرة فنية طويلة.
فرقة الفلاحين ومنحة فرنسا
في بداياته المسرحية أسس مخيون فرقة "الفلاحين"، التي قدم من خلالها عدداً من الأعمال المسرحية المهمة، أبرزها مسرحية "الصفقة" للكاتب توفيق الحكيم، والتي استمرت عروضها لسنوات عدة وحظيت باهتمام إعلامي وصل إلى الصحافة الفرنسية. وقد ساهم نجاح التجربة في حصوله على منحة لدراسة المسرح والتمثيل في فرنسا، ما أضاف إلى خبرته الفنية والثقافية.
بدأ عبد العزيز مخيون مشواره الاحترافي في سبعينيات القرن الماضي، وشارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية مبكرة قبل أن يلفت الأنظار بدوره في فيلم "الكرنك". وبعدها تعاون مع كبار المخرجين المصريين، وفي مقدمتهم يوسف شاهين ومحمد خان، فشارك في أفلام بارزة مثل "إسكندرية ليه"، و"حدوتة مصرية"، و"فارس المدينة"، و"الهروب"، و"الجوع"، و"دكان شحاتة"، و"الكنز"، وغيرها من الأعمال التي رسخت مكانته بين أبرز ممثلي السينما المصرية، وغيرها من المسلسلات التي تنوعت بين التاريخي والاجتماعي والسياسي.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد حقق نجاحاً كبيراً من خلال أعمال عديدة، أبرزها "ليالي الحلمية"، و"الشهد والدموع"، و"أنا وأنت وبابا في المشمش"، و"خالتي صفية والدير"، و"يونس ولد فضة"، و"الكبريت الأحمر"، و"البرنس"، و"إسماعيل ياسين أبو ضحكة جنان"، في شهادة على الثقة التي منحه إياها صناع الدراما المصرية. وامتد رصيده التلفزيوني ليشمل عشرات الأعمال الكبرى من "هارون الرشيد" و"الجماعة" إلى "الكبريت الأحمر" و"المداح"، وصولاً إلى آخر أعماله "جودر 2" عام 2025، فضلاً عن تجربة مميزة مع جمهور الأطفال من خلال مسلسل "تعلوب".
تجسيد شخصية محمد عبد الوهاب
من أبرز المحطات في مسيرته الفنية تجسيده شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أكثر من عمل درامي، منها "أم كلثوم" و"السندريلا"، حيث حظي أداؤه بإشادة واسعة نظراً لقدرته على تقديم الشخصية بمصداقية كبيرة، مستفيداً من خلفيته الموسيقية واهتمامه المبكر بالفن والغناء.
حياته الشخصية ومحاولة اغتياله
تعرض عبد العزيز مخيون في عام 2005 لحادثة صادمة هزت الوسط الفني، بعدما نجا من محاولة قتل إثر تعرضه لعشرات الطعنات داخل منزله. وأثارت القضية اهتماماً واسعاً في مصر آنذاك، خصوصاً بعدما وُجهت الاتهامات إلى زوجته آنذاك وشخص آخر، وصدر بحقهما حكم قضائي في القضية. وخضع الفنان الراحل لسلسلة عمليات جراحية وعلاج طويل قبل أن يتمكن من استعادة عافيته والعودة إلى حياته الطبيعية والفنية.

آراؤه السياسية ومواقفه الجريئة
عرف مخيون بصراحته في التعبير عن آرائه السياسية والاجتماعية، وشارك في عدد من الحركات المدنية والسياسية خلال مراحل مختلفة من حياته. كما أثارت بعض تصريحاته جدلاً واسعاً، خصوصاً تلك التي تحدث فيها عن واقعة محاولة اغتياله وربطها بخلفيات سياسية، وهي تصريحات تم تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام المصرية.
تطور قضية نجله وموقفه الإنساني
شهدت محافظة البحيرة حادثاً مرورياً أثار اهتماماً واسعاً، بعد أن تسبب صلاح الدين مخيون، نجل الممثل عبد العزيز مخيون، في واقعة دهس أسفرت عن وفاة شاب وإصابة اثنين آخرين، أثناء قيادته سيارته بالقرب من مدخل قرية القناوية بمركز أبو حمص. وقد باشرت الأجهزة الأمنية والنيابة العامة التحقيق في الحادث، حيث تم توقيفه على ذمة القضية، وجرى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وسط متابعة إعلامية وجماهيرية كبيرة.
وفي تطور لاحق للقضية، توصلت عائلة عبد العزيز مخيون إلى اتفاق تصالح مع أسرة الشاب المتوفى، وذلك خلال جلسة عرفية حضرها عدد من وجهاء مركز أبو حمص بمحافظة البحيرة. وتم الاتفاق خلالها على دفع دية القتل الخطأ، ما ساهم في إنهاء حالة التوتر التي أعقبت الحادث واستمرت لعدة أيام.
وكانت النيابة العامة قد قررت في وقت سابق حبس نجله على ذمة التحقيقات، قبل أن تتجه القضية لاحقاً إلى التسوية بين الطرفين، في خطوة هدفت إلى احتواء الأزمة وإنهائها بشكل ودي، وسط تفاعل واسع من الرأي العام مع تفاصيلها.
السنوات الأخيرة وأزماته الصحية
في سنواته الأخيرة، واصل عبد العزيز مخيون نشاطه الفني وحرص على الظهور في أعمال جديدة رغم تقدمه في العمر. كما ظهر في العديد من اللقاءات الإعلامية التي تحدث فيها عن أوضاع الفن المصري وأهمية الحفاظ على قيمة العمل الفني واحترام الجمهور.
ومع بداية عام 2026 تعرض الممثل الراحل لأزمة صحية استدعت خضوعه لعملية جراحية دقيقة، قبل أن تتدهور حالته الصحية مجدداً خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة مضاعفات صحية استوجبت نقله إلى أحد مستشفيات الإسكندرية، حيث تلقى العلاج تحت إشراف طبي مكثف داخل العناية المركزة.
الوفاة ووداع ممثل كبير
في 10 حزيران/يونيو 2026، رحل عبد العزيز مخيون عن عمر ناهز 83 عاماً بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه مسيرة فنية حافلة امتدت لأكثر من خمسين عاماً. وأعلنت أسرته نبأ وفاته وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية والثقافية المصرية، فيما نعاه عدد كبير من الفنانين والإعلاميين والجمهور الذين استذكروا أعماله وشخصياته الخالدة.
وبرحيل عبد العزيز مخيون، فقدت الدراما المصرية واحداً من أبرز وجوهها وأكثرها التزاماً وصدقاً، فيما بقي إرثه الفني شاهداً على رحلة طويلة من الإبداع والعطاء.


























