على بعد نحو 60 كيلومتراً فقط من العاصمة تونس، وتقع على المنحدرات الشمالية لشبه جزيرة الوطن القبلي (ولاية نابل)، تقبع بلدة "قربص" الصغيرة كواحدة من أكثر الوجهات السياحية تميزاً وخصوصية في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تلتقي قمم جبل سيدي فرج الشاهقة بزرقة مياه البحر في مشهد طبيعي مهيب، تتخلله ينابيع مائية دافئة تتدفق منذ عهد الرومان، وتتميز "قربص" بجغرافيتها الفريدة المعلقة على منحدر صخري حاد يطل مباشرة على خليج تونس، مما يمنحها إطلالة بانورامية ساحرة وأجواءً هادئة جعلتها تاريخياً ملاذاً للملوك والأمراء، واليوم محطة رئيسية للباحثين عن الاسترخاء والابتعاد عن صخب الحياة المعاصرة.
تكمن القيمة الاستثنائية للبلدة في ثروتها من العيون المائية المعدنية والكبريتية الطبيعية التي تنبع من قلب الجبال وتصب مباشرة في البحر. وتعد عين "الأتراس" وعين "الشفاء" من أشهر هذه الينابيع، حيث تتدفق مياههما بدرجات حرارة عالية تتجاوز في بعض الأحيان 50 درجة مئوية، ومحملة بأملاح معدنية نادرة تُصنف عالمياً كعلاج طبيعي فعال لأمراض المفاصل، والروماتيزم، والأمراض الجلدية، والجهاز التنفسي.
ويعتبر المشهد السريالي لـ "الشلال الساخن" الذي يمتزج بمياه البحر الأبيض المتوسط الباردة تجربة فريدة من نوعها؛ إذ يتيح للزوار السباحة في نقطة التقاء فريدة توازن بين حرارة الينابيع العلاجية وبرودة الأمواج البحرية وسط أجواء طبيعية بكر، وقد حافظت "قربص" على هويتها البصرية المتميزة ببيوتها ومبانيها البيضاء ذات النوافذ والأبواب الزرقاء، والتي تعكس لمسات معمارية أندلسية ومتوسطية عريقة. وتضم البلدة محطة استشفائية عصرية (الديوان الوطني للمياه المعدنية) إلى جانب حمامات تقليدية ومراكز متطورة للعلاج بالمياه البحرية والمعدنية، والتي بدأت تشهد عمليات تحديث وتوسعة لاستيعاب الطلب المتزايد من السياح المحليين والأجانب.
ولا تقتصر الجاذبية في "قربص" على الجانب العلاجي فحسب؛ بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مركز جاذب لهواة السياحة البيئية والمغامرات؛ حيث توفر المرتفعات المحيطة بالبلدة مسارات مثالية للمشي الجبلي (Hiking) وسط غابات الصنوبر والأعشاب العطرية، مما يمنح المغامرين فرصة التقاط صور استثنائية للبلدة المعلقة والخليج الممتد من خلفها.

































