لم يعد مستغرباً أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للجدل، لكن المقلق هو حجم التنازلات الأخلاقية التي بات البعض مستعداً لتقديمها في سبيل تحقيق الانتشار السريع وحصد المشاهدات.

فمع اشتداد المنافسة على لفت الانتباه، أصبح عدد من صناع المحتوى والحسابات الباحثة عن التفاعل يلجأون إلى أساليب تقوم على الإثارة والتأويل المبالغ فيه، حتى عندما يتعلق الأمر بحياة الناس الشخصية أو بعلاقاتهم العائلية.

وفي هذا السياق، يثير الجدل الذي رافق الفيديو المتداول للفنانة اللبنانية سيرين عبد النور مع إبنها كريستيانو تساؤلات أوسع من مجرد حادثة فردية. فالمشكلة لا تكمن فقط في التعليق المسيء الذي أُرفق بالمقطع، بل في النهج الذي يقف خلفه، نهج يقوم على اقتطاع اللحظات من سياقها الطبيعي وإعادة تقديمها بصورة صادمة أو استفزازية بهدف جذب أكبر قدر ممكن من التفاعل.

هذا النوع من المحتوى يعكس أزمة في ثقافة المنصات الرقمية، إذ باتت الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتعدي على الخصوصية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وعندما تصبح العلاقة الطبيعية بين أم وإبنها مادة للاتهامات والتأويلات المغرضة، فإن المسألة تتجاوز حدود الاختلاف في الرأي لتدخل في دائرة الإساءة المباشرة والانتهاك الواضح للمساحة الشخصية.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يستهدف الشخصيات العامة وحدها، بل يمتد ليطال أفراد عائلاتهم الذين لم يختاروا أصلاً أن يكونوا جزءاً من هذا الجدل. وهنا تكمن المفارقة، فبينما تُرفع شعارات حرية التعبير وصناعة المحتوى، يجري في كثير من الأحيان تجاهل أبسط المعايير المهنية والإنسانية التي يفترض أن تحكم الخطاب العام.

إن السعي وراء الترند ليس مشكلة بحد ذاته، لكن تحويل أي موضوع، مهما كان حساساً أو شخصياً، إلى وسيلة لزيادة المشاهدات هو مؤشر على خلل أعمق في مفهوم المسؤولية الرقمية. فالانتشار السريع قد يمنح صاحبه دقائق من الضوء، لكنه لا يبرر الإساءة إلى الآخرين أو المتاجرة بخصوصياتهم من أجل تحقيق مكاسب آنية على منصات التواصل.

ويبقى السؤال الأهم: "إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا السباق المحموم على التفاعل قبل أن تتحول الخصوصية الإنسانية بالكامل إلى مادة استهلاكية في سوق الترند؟"