رحل عن عالمنا، لكنه لم يرحل يوماً من قلوبنا. فكلما تحدث التونسيون عن الكوميديا الراقية والدراما التي تجمع العائلة حول الشاشة، يتبادر إلى الأذهان فوراً اسم واحد.. سفيان الشعري، أو "السبوعي".
وتتجلى عظمته الفنية من خلال السيتكوم التونسي الأشهر "شوفلي حل" هذا العمل الذي انطلق عام 2005 واستمر على مدار خمسة أجزاء كاملة، ليتحول إلى ظاهرة استثنائية أحبها التونسيون بشكل كبير. ورغم مرور سنوات، ما زال المسلسل يُتابع حتى يومنا هذا بشغف كبير ومن دون ملل، وكأنه يُعرض للمرة الأولى.
سفيان الشعري ممثل قدير، استطاع أن يخلّد اسمه كأحد أبرز أعمدة الفن الكوميدي في تاريخ تونس.
البدايات الحاضنة للإبداع
ولد سفيان الشعري في 31 تموز/يوليو 1962 في بيئة فنية وثقافية، فهو إبن الممثل والمنتج التونسي الراحل الحبيب الشعري. هذه النشأة ساهمت في صقل موهبته مبكراً، إذ بدأ خطواته الأولى في عالم الفن من خلال المسرح، وتحديداً مع "فرقة مدينة تونس للمسرح"، والتي كانت بمثابة مدرسة حقيقية تعلم فيها أصول الوقوف على الخشبة ومواجهة الجمهور.
"السبوعي": الشخصية التي دخلت كل بيت
رغم تنوع أدوار سفيان الشعري في السينما والمسرح والتلفزيون، إلا أن نقطة التحول الكبرى في مسيرته كانت شخصية "السبوعي" في السلسلة الهزلية "شوفلي حل"، إلى جانب الممثل التونسي كمال التواتي (الدكتور سليمان الأبيض).
تميزت هذه الشخصية بـ:
التلقائية العالية: الطيبة المحببة التي جعلت الصغير قبل الكبير يعشقها.
الثنائية الكوميدية: التناغم الكبير بينه وبين "سليمان الأبيض" و"أمي فضيلة" (الممثلة خديجة بن عرفة).
الأثر المستدام: تحول "السبوعي" من مجرد شخصية في مسلسل رمضاني إلى ظاهرة اجتماعية تُعرض وتُشاهد بحب حتى يومنا هذا، وكأنها جزء من العائلة التونسية.
مسيرة حافلة بأعمال لا تُنسى
ولم تكن ظاهرة "شوفلي حل" إلا محطة تفجّرت فيها طاقاته الإبداعية القصوى؛ ويزخر الرصيد الفني لـ سفيان الشعري بالعديد من الأعمال التلفزيونية، والسينمائية، والمسرحية البارزة التي سبقت هذا العمل وتلته، والتي طبع من خلالها بصمة واضحة في وجدان المشاهد التونسي والمشاهد العربي، ومثبتةً أنه فنان متعدد المواهب.
المسلسلات والسلاسل التلفزيونية:
1997: "الخطاب على الباب" (حين أطلّ كضيف شرف متميز في الحلقة 15 من الموسم الثاني) من إخراج صلاح الدين الصيد وتأليف علي اللواتي.
1998: "عشقة وحكايات" للمخرج صلاح الدين الصيد وتأليف علي اللواتي.
2001: "منامة عروسية" للمخرج صلاح الدين الصيد وتأليف علي اللواتي، وقد أبدع سفيان الشعري في تجسيد شخصية "عبد الرزاق" (بائع الورود).
2002: "ملا أنا" من إخراج عبد القادر الجربي وتأليف سهام البنزرتي.
2003: "عند عزيز" للمؤلف حاتم بلحاج والمخرج صلاح الدين الصيد، وتألق فيه سفيان الشعري بدور "الصادق".
2004: "لوتيل (الوتيل)" تأليف حاتم بلحاج وإخراج صلاح الدين الصيد، وجسد فيه سفيان الشعري بنجاح شخصية "ستوكو".
2005
- 2009: "شوفلي حل" (على مدار 5 أجزاء كاملة) من إخراج صلاح الدين الصيد وتأليف حاتم بلحاج، وهو العمل الأيقوني الذي تقمص فيه سفيان الشعري شخصية "السبوعي" ودخل به التاريخ.
2010 - 2011: "نسيبتي العزيزة" (في جزأيه الأول والثاني) للمخرج صلاح الدين الصيد، وقد جسد فيه سفيان الشعري شخصية "حسونة الباهي" التي حصدت محبة الجمهور.
الأفلام
1998: الفيلم القصير "الوليمة" للمخرج محمد دمق.
2004: فيلم "المواعيد النهائية (The Last Deadlines)" للمخرجين لودي بوكين وميشال أ. لورنير.
2004: فيلم "كلمة رجال" من إخراج معز كمون.
2006: فيلم "آخر فيلم" للمخرج النوري بوزيد.
2008: الفيلم التلفزيوني "شوفلي حل في رأس العام" للمخرج عبد القادر الجربي، والذي واصل فيه سفيان الشعري نجاح شخصية "السبوعي".
2011: فيلم "ديما براندو" للمخرج رضا الباهي.
البرامج التلفزيونية:
2009 - 2010: برنامج "سفيان شو"، حين خاض سفيان الشعري تجربة التنشيط التلفزيوني كمقدم رئيسي للبرنامج، محققاً نجاحاً كبيراً وقرباً إضافياً من الأطفال والعائلات.
الأعمال المسرحية:
2005 - 2006: مسرحية "الماريشال"، تأليف نور الدين القصباوي وإخراج عبد العزيز المحرزي.
2009: مسرحية "كوميدينو".
2009 - 2010: مسرحية "سعدون 28" من إخراج منير العرقي.
الوداع المفاجئ والصدمة
وفي أوج عطائه الفني ونضجه الإبداعي، جاء الرحيل المفاجئ ليصدم الساحة الفنية والشعب التونسي بأكمله. فجر الثلاثاء 23 أغسطس -آب 2011، فارق سفيان الشعري الحياة عن عمر يناهز 49 عاماً، إثر نوبة قلبية حادة.
وفي تفاصيل تلك الليلة الحزينة، كان الممثل الراحل يرتاد أحد مقاهي مدينة سيدي بوسعيد الساحرة برفقة صديقيه المقربين؛ المخرج صلاح الدين الصيد وأحد تقنيي مؤسسة التلفزة التونسية، وكانوا يحتسون القهوة معاً ويتجاذبون أطراف الحديث. وفجأة، أحسّ سفيان الشعري بألم حاد ومفاجئ في صدره، وعلى الفور تم نقله إلى مصحة الأمان بالمرسى، ليفارق الحياة هناك، مخلفاً وراءه صدمة لم يستوعبها الشارع التونسي بسهولة.
غاب سفيان الشعري جسدياً، ولكن إرثه رفض الغياب. فاستمرار بث أعماله، وخصوصاً "شوفلي حل"، بشكل يومي، ونسب المشاهدة العالية التي تحققها، هما أكبر دليل على أن سفيان الشعري لم يكن مجرد ممثل عابر، بل كان صانع بهجة طبع اسمه في الذاكرة الفنية التونسية بأحرف من ذهب.

























