منذ إطلالتها الأولى، نجحت الممثلة اللبنانية فرح بيطار في حجز مقعد خاص لها في ذاكرة المشاهد اللبناني والمشاهد العربي، انطلقت من عوالم الكوميديا التي تتطلب ذكاءً وقدرة فائقة على التلون، فكانت النكهة الخاصة التي تضفي حيوية على كل كادر تظهر فيه. لم تكتفِ فرح بيطار بحدود الضحكة، بل تمردت على الكوميديا لتقفز بخطى واثقة نحو الدراما الاجتماعية المركبة، مبرهنةً أن خلف ملامحها العفوية قدرات تمثيلية تختزن الكثير من العمق والاحتراف.
بين نجاحات الأمس وتألقها الحالي في مسلسل "ليل"، لا تزال فرح بيطار تحافظ على تميزها وتسعى لخلق هوية بصرية وشعورية مستقلة. هي الممثلة التي تدرك تماماً أبعاد اللعبة التقنية خلف الكاميرا، تماماً كما تدرك أبعاد الصدق أمام الكاميرا.
وكان لموقع الفن مقابلة مع فرح بيطار، تحدثنا معها فيها عن العديد من المواضيع الشيقة.
تشاركين حالياً في مسلسل "ليل"، وهو النسخة العربية من المسلسل التركي "إبنة السفير"؛ كيف تعاملتِ مع المقارنة الحتمية التي يضعها الجمهور بين النسخة الأصلية والنسخة العربية؟ وكيف منحتِ شخصيتكِ فيه هوية مشرقية بعيدة عن الاستنساخ؟
أنا لا أشاهد النسخ التركية للأعمال، ورغم أنني أدرك ماهية الشخصية وقصتها، إلا أنني أتعامل مع المسلسل كأنه عمل جديد.
أنتظر استلام النص، ثم أعكف على قراءته، وبناءً على ذلك أبدأ بالعمل؛ لا أضع نفسي أبداً في إطار التقليد أو الاستنساخ، لأنني كممثلة قد أتأثر عن غير قصد ببعض التفاصيل أو الحركات إذا شاهدت الأداء الأصلي. لذا، أفضل أن يكون أدائي خالصاً، إذ أقرأ النص وأنفذ الرؤية الفنية للشخصية تماماً كما أراها أنا وبإحساسي الخاص.
تصدر المسلسل قائمة المشاهدات في أسبوعه الأول؛ ما السبب برأيك؟
لا شك أن الدراما التركية المعربة تحقق أصداءً قوية جداً في المنطقة العربية، ويمتد هذا التأثير ليشمل المتابعين العرب في أميركا، وأوروبا، وفرنسا، ودول الخليج، ومصر؛ مذهل حجم النجاح الذي تحصده هذه المسلسلات حول العالم، وهذا يفسر بوضوح الأسباب التي جعلتنا نتصدر الترند. هناك أمر ممتع للغاية في مسلسل "ليل"، فبالرغم من أنه يتألف من تسعين حلقة، إلا أننا وصلنا إلى الحلقات التاسعة والخمسين والستين ولا يزال الجمهور متفاعلاً معه والأحداث متسارعة. كل حلقة تحمل في طياتها حدثاً جديداً، ولم نرصد تعليقاً واحداً من الجمهور يصف المسلسل بالبطء، بل هو عمل متماسك جداً، وأعتقد أن هذا التكثيف الدرامي كان السبب الأكبر وراء نجاح مسلسل "ليل".
بين الممثلة اللبنانية كارمن بصيبص والممثل السوري محمود نصر، أين وجدت فرح بيطار منطقتها الآمنة في كواليس "ليل"؟
كارمن ومحمود ويزن خليل وحلا رجب وأنا، جميعنا أصدقاء مقربون جداً، وكواليسنا من أجمل ما يكون، فهناك كيمياء مميزة تربط بيننا بشكل ممتع. لقد تمكنا حقاً من أن نكون مقربين من بعضنا البعض، وهذا الأمر انعكس بطبيعة الحال على أدائنا في المشاهد التي نصورها، بالإضافة إلى أن الإقامة في تركيا لفترة طويلة جعلت هؤلاء الأشخاص أكثر من مجرد زملاء عمل؛ فقد أصبحوا بمثابة العائلة، إذ تربطنا أيام وساعات طويلة وجلسات مشتركة.
في مسلسل "سلمى" كنتِ "النكهة الخاصة" للعمل، وفي مسلسل "سر - التحدي" كنتِ تشبهين "جوى" بعفويتها؛ في "ليل"، هل تجسدين شخصية مكتوبة فحسب، أم تكتشفين مساحات في شخصيتكِ الحقيقية؟
كل شخصية أؤديها لا بد أن تحمل في طياتها شيئاً من شخصيتي الحقيقية؛ فلنسمّها النكهة الخاصة التي تضفيها روحي على الدور.
أما بالنسبة لشخصية "رولا"، فهي تشبهني فقط في طبيعة علاقتها بالأشخاص الذين تحبهم. علاقة رولا بشقيقها "باسم" تشبه أحاسيسي وطريقتي في التعامل مع الحياة؛ سواء كان ذلك مع صديق أعتبره بمنزلة شقيق، أو مع صديقة مقربة جداً (بما أنني لا أملك شقيقاً في الواقع)، أما أسلوب "رولا" في الانتقام، فهو بعيد عني تماماً. لم يكشف لي هذا الدور عن جوانب خفية في شخصيتي لم أكن أعرفها من قبل، ولكني استطعت في مواقف معينة أن أفهم دوافع "رولا" وأن أجد لها مبررات.
بدأتِ مسيرتكِ من خشبة المسرح والبرامج الكوميدية منها "إربت تنحل"؛ كيف تصفين رحلة التمرد على النمط الكوميدي للوصول إلى احتراف الدراما الاجتماعية المركبة؟
أحب الكوميديا كثيراً، وأشعر براحة تامة وانطلاق كبير عند أدائها؛ فأنا أكون في قمة سعادتي حين أجسد شخصية كوميدية، سواء كانت شخصية استثنائية وخيالية (Out of this world)، أو حتى لو كان النص كوميدياً والشخصية واقعية ومن قلب مجتمعنا.
استمر عملي في الكوميديا لأربع سنوات متتالية، وبدأت كل العروض التي تصلني تتمحور حول هذا النوع فقط، لذا شعرت بالخوف واضطررت لاتخاذ قرار حاسم بتغيير مساري المهني فوراً. أما الآن، فقد اشتقت للكوميديا كثيراً، وتراودني رغبة شديدة في تقديم مسلسل كوميدي من جديد.
قيل إنه تم تصوير نهايتين مختلفتين لمسلسل "سلمى"؛ كممثلة، هل تفضلين النهايات التي ترضي الجمهور وتنتصر للحب والمنطق، أم تميلين للنهايات الصادمة؟
بالدرجة الأولى أميل إلى النهاية التي تخدم النص درامياً والحبكة الفنية، بغض النظر عما إذا كانت النهاية ستحوز على رضا الجمهور وتُسعده، أو أنها ستثير حزنه واستياءه.
مع توسع المنصات الرقمية، هل تغير سقف الجرأة في الدراما المشتركة؟ وما هي خطوطكِ الحمر؟
كممثلة أرى أن من واجبي تأدية الدور الموكل إليّ حتى أقصى درجات الإتقان، ومن دون أي تقصير من جانبي. ومع ذلك، ما زلت مصرة على موقفي بأنني لا أؤدي ما يُسمى بـ"الأدوار الجريئة"، أو بالأحرى، لا أؤدي لحظات تتسم بالجرأة، إلا إذا كانت هناك ضرورة درامية حتمية تفرضها أحداث العمل.
درستِ الإخراج والتمثيل، إلى أي مدى تتدخل عين المخرجة لديكِ في أدائكِ أمام الكاميرا؟
حينما أتواجد في موقع التصوير بصفتي ممثلة، لا أتدخل كثيراً في الجوانب الإخراجية؛ وهذا لا يمنع بطبيعة الحال من تقديم بعض المقترحات البسيطة بين الحين والآخر، كما أحمل تقديراً كبيراً للمخرج أو المخرجين الموجودين في مواقع التصوير.
أما من الناحية التقنية، فأنا أستمر في تقديم المساعدة لأنني أمتلك خبرة في زوايا الكاميرا، وتوزيع الإضاءة، واتجاهات النظر؛ فهذه التفاصيل التقنية تساعد فريق العمل وتساهم في جودة المشاهد.
من هو الممثل الذي عندما تقفين أمامه تشعرين بأنكِ في تحدٍ حقيقي لإظهار أقصى طاقاتك؟
كل عمل كان شريكي فيه يساهم في إخراج أفضل ما لدي، وكانت تجمعنا دائماً تلك الكيمياء الفنية الممتعة. بدأتُ في "ثورة الفلاحين" مع باسم مغنية، ثم في مسلسل "التحدي" مع الأستاذ بسام كوسا، مسلسل "تانغو" مع جيري غزال، كما عملت مع كارلوس عازار ووسام حنا في مسلسل "غربة". أنا ممتنة لله كيف أنني في كل مشروع أنجزته، بما في ذلك عملي مع معتصم النهار في "ما فيي"، كان شريكي في العمل يساعدني على تقديم أفضل أداء ممكن، وكنا نشكل معاً تناغماً فنياً جميلاً جداً.
صرحتِ برغبتكِ في العمل مع الممثل اللبناني يوسف الخال؛ هل هناك مشروع يلوح في الأفق يجمعكما؟
أطمح كثيراً لمشاركة يوسف الخال في عمل من بطولتنا المشتركة؛ يوسف من الممثلين اللبنانيين القلائل الذين لم يسبق لي العمل معهم.
من هي الشخصية التاريخية التي تشعرين أنكِ الأنسب لتجسيدها؟
من الصدف أننا كنا نتحدث في هذا الأمر مؤخراً؛ سأكشف لك سراً وهو أنني كنت أعبّر عن مدى رغبتي في تقديم عمل تاريخي، خصوصاً وأنه لم يسبق لي خوض هكذا تجربة من قبل. لدي شغف حقيقي بتأدية عمل تاريخي باللغة العربية الفصحى، وأشعر بميل خاص لتجسيد شخصية "كليوباترا" التي تستهويني إلى أبعد الحدود؛ وأنا أحب كثيراً تلك الحقبة الزمنية.
بين المنصات الرقمية التي تمنح الشهرة السريعة والانتشار، والتلفزيون الذي يمتلك هيبته وتاريخه، أين تجد فرح بيطار أمانها المهني واستقرارها الفني أكثر؟
لا يمكن المقارنة أبداً بين وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون؛ فهما عالمان مختلفان تماماً. صحيح أن الشهرة التي تمنحها منصات التواصل الاجتماعي سريعة جداً، لكنها لا تضاهي أبداً شهرة التلفزيون ورسوخها، سواء كنا نتحدث عن الممثلين أو مقدمي البرامج؛ فبالنسبة لي، لم يوضعا يوماً في كفة واحدة للمقارنة، حتى نظرة الجمهور لكل منهما تختلف كلياً.
أنا كممثلة، أستخدم منصات التواصل الاجتماعي كـ 'سيرة ذاتية متحركة' (Mobile CV)؛ أروج من خلالها لأعمالي، وأتواصل مع الجمهور لنسد الفجوة بيننا، فيتعرفون عليّ عن قرب وأتعرف عليهم، لكن الأمر لا يتعدى هذا الإطار. ورغم أن الوجود على هذه المنصات والنشاط فيها أمر في غاية الأهمية في عصرنا الحالي، إلا أنها لا تمنح الممثل الشعور بالاستقرار.
أما التلفزيون والمسرح، فهما ما يؤمنان لي الاستقرار النفسي في المقام الأول، بغض النظر عن طبيعة مجالنا الذي يفتقر أصلاً للاستقرار الدائم؛ فنحن نمر بتقلبات مستمرة، إذ ننشغل أحياناً بضغط مشاريع متتالية، بينما قد تمر سنة كاملة من دون أي مشروع جديد.
ما العمل الذي تحضرين له بعد "ليل"؟
سيتم عرض فيلم "دهب" في دور السينما اللبنانية، وهو من بطولتي بالإشتراك مع زينة مكي، ونتاشا شوفاني، وجاد خاطر. لا أود تصنيف الفيلم كفيلم رعب، بل هو أقرب لنمط التشويق والإثارة. أنا سعيدة جداً بدوري فيه لأنه مختلف تماماً عن كل أدواري السابقة، وآمل أن ينال إعجاب الجمهور.





























