خلال العام الماضي، برز اتجاه لافت في الولايات المتحدة تمثل في تزايد لجوء أفراد من الطبقة المتوسطة إلى بيع بلازما الدم لتأمين احتياجاتهم الأساسية، من سداد الفواتير الطبية والكهرباء إلى توفير ملابس الشتاء لأطفالهم، رغم المؤشرات الرسمية التي تتحدث عن استقرار اقتصادي نسبي.

تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته NBC News، أظهرت نمواً غير مسبوق في هذا النشاط، إذ بلغت عائدات بيع البلازما نحو 4.7 مليار دولار العام الماضي، بزيادة تتجاوز 30% مقارنة بعام 2022. ومع انتشار أكثر من 1200 مركز في مختلف الولايات، لم يعد نشاط جمع البلازما مقتصراً على الأحياء محدودة الدخل، بل امتد إلى الضواحي والمدن الجامعية.

البروفيسور بيتر جاورسكي من جامعة جورج تاون أشار إلى أن تمركز نحو 30% من ثروة البلد بيد 1% فقط من الأسر يجعل مدفوعات البلازما بمثابة مورد خفي لكنه مؤثر في إبقاء كثير من العائلات المتوسطة قادرة على تلبية التزاماتها المالية.

في فينيكس، تحدثت الكاتبة جيل تشامبرلين (57 عاماً) عن تحول جذري في حياتها بعد أن كانت تتقاضى 87 ألف دولار سنوياً قبل فقدان وظيفتها، فهي تعمل حالياً بأجر 16 دولاراً في الساعة وتعتمد على نحو 400 دولار شهرياً من بيع البلازما لتغطية فاتورة الكهرباء، معبرة عن شعورها بالغضب لاضطرارها إلى هذا الخيار رغم تعليمها وخبرتها.

ولا يقتصر الأمر على من فقدوا وظائفهم، فقد عرضت الشبكة قصة زوجين في أيداهو بدخل سنوي يبلغ 120 ألف دولار، إلا أنهما يبيعان البلازما لتسديد أقساط السيارة ونفقات إصلاحها. كذلك تلجأ ميشيل إيغان من مينيسوتا إلى التبرع مرتين أسبوعياً لتغطية كلفة حضانة ابنها البالغة 700 دولار شهرياً، مؤكدة أن هذا الدخل الإضافي أصبح ضرورة لمواجهة المصاريف.

الولايات المتحدة باتت مركزاً رئيسياً لهذه الصناعة، إذ توفر نحو 70% من الإمدادات العالمية للبلازما، وصدّرت في عام 2024 ما قيمته 6.2 مليار دولار تُستخدم في تصنيع أدوية لعلاج حالات خطرة مثل الهيموفيليا والحروق واضطرابات المناعة النادرة.

ويسمح النظام في البلاد بالتبرع بالبلازما حتى مرتين أسبوعياً، مع احتمال ظهور آثار جانبية مثل الدوخة والكدمات والإرهاق، نتيجة فقدان نحو 10% من حجم الدم في كل مرة، وهو ما يعوضه الجسم عادة خلال ساعات أو أيام. شركات متخصصة مثل BioLife، التابعة لشركة Takeda Pharmaceutical Company، تؤكد أن المقابل المالي يُدفع لقاء الوقت والجهد، وتقدم حوافز إضافية كزيادات مرحلية أو نقاط تُستبدل ببطاقات هدايا.

ورغم هذه التبريرات، يؤكد كثير من المتبرعين أن الدافع الأساس هو الحاجة إلى سيولة نقدية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. وبينما تجيز U.S. Food and Drug Administration التبرع مرتين أسبوعياً، أبدى المسؤول المتقاعد مارك وينشتاين تحفظه الشخصي على هذا المعدل بسبب محدودية الدراسات حول التأثيرات بعيدة المدى.

في المحصلة، يعكس الإقبال المتزايد على بيع البلازما واقعاً اقتصادياً ضاغطاً يدفع شريحة من الطبقة الوسطى إلى البحث عن موارد غير تقليدية لتغطية احتياجات يومية، في مشهد يراه خبراء مؤشراً على اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة.