تتمتع الفنانة اللبنانية يال سولان، Yal Solan، برؤية فنية فريدة تجمع بين الشعر والموسيقى والتجارب الحياتية الغنية، إذ تدمج جذورها الشرقية مع التأثيرات الغربية والإلهامات الصوفية لتخلق عالماً موسيقياً يلامس القلب والوجدان.
وفي إطار مسيرتها الإبداعية المستمرة، أطلقت Yal مؤخراً أغنيتها الجديدة "يا عيني كفاك ألم" (Ya Enay Kafak Alam)، التي تعكس عمق إحساسها وجرأتها في التعبير الفني.
بعيداً عن الموسيقى، تبرز Yal أيضًا كعارضة أزياء، وممثلة، وموهبة صوتية، إلى جانب خلفيتها الأكاديمية في الرسوم المتحركة والتصميم الغرافيكي وشغفها باليوغا، لتشكل شخصية متعددة الأبعاد تنسجم مع تنوع أعمالها الفنية.
وكان لموقع "الفن" هذا الحوار مع Yal Solan.


كيف كانت بدايتكِ في مجال الفن والغناء؟

بداية مسيرتي في الفن والغناء كانت مفاجِئة حتى بالنسبة لي، لم أكن أعلم أن شغفي بالغناء يتجاوز كل شيء آخر في حياتي. كنت أعلم أنني أحب الموسيقى، لكن لم يسبق لي أن جربت الغناء فعلياً حتى دخلت الجامعة. هناك، رأيت إعلانًا عن جوقة موسيقية، فقلت في نفسي: لمَ لا؟ فلأجرّب. ومن تلك اللحظة، بدأت رحلتي كمغنية سوبرانو ضمن جوقة الجامعة، وهناك وقعت في غرام الموسيقى الكلاسيكية.
طوال حياتي كنت أكتب شِعرًا، ولم أتوقّع يومًا أن تتحوّل كتاباتي إلى أغانٍ، وهذه هي النقلة التي حصلت: كلما عملت على تطوير صوتي، كلما اكتشفت نفسي أكثر، وكلما بدأت أؤمن بأن لديّ شيئًا أقدّمه، وكلما قرأت كتاباتي، شعرت أنه من الممكن أن تتحوّل إلى أغانٍ، فقررت أن أتعامل مع الموسيقى بشكل أكثر احترافاً.
أنا درست التصميم الغرافيكي والأنيميشن، هذا هو تخصصي الأكاديمي، لكن الموسيقى أصبحت مهنتي المحترفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لقد كانت تجربة غيّرتني كثيرًا.

حدثينا عن أغنيتكِ الجديدة "يا عيني كفاك ألم" (Ya Enay Kafak Alam)، وما الفكرة أو الرسالة التي تقدمينها من خلالها؟

هذه الأغنية من الفلكلور السوداني، أرسلها لي المنتج التونسي بلال عبدو عبر موقع التواصل الإجتماعي، وهكذا تعرّفنا على بعضنا البعض. بدأنا نتحدث عن الموسيقى، وقال لي إن صوتي يليق كثيرًا بهذه الأغنية. في البداية كانت مجرد خلفية موسيقية فقط، وكنت أنوي أن أكتب لها كلمات، لكني عدت وسمعت الأغنية ولاحظت أنها جميلة جدًا كما هي، فقررت أن أغنيها باللهجة السودانية، وكان ذلك تحديًا بالنسبة لي، ليس فقط لأنني أغني أول مرة بالعربية، ولكن لأنني أقدم تراث بلد ليس بلدي.
وبما أنني أقوم بذلك، وخصوصًا في ظل ما نشهده من أوضاع سياسية صعبة في السنوات الأخيرة، ومع كل الألم الذي نراه، شعرت أن الأغنية، التي تقول 'كفّى كلام الغرام والريت جسام'، تعبّر تمامًا عن هذه المرحلة. لم أعد أشعر أن هناك مجالاً لأغاني الحب التقليدية، بل أشعر أننا لا نريد أن نرى هذا الألم المستمر، الذي نعيشه حتى من خلال هواتفنا، ونحن في لبنان نختبره أيضًا.
السودان بلد عربي، وحين سمعت الأغنية وقت الحرب، أثرت بي كثيرًا، وفهمتها من هذه الزاوية، وباعتقادي، إذا كنت سأغني أغنية سودانية، هذه هي الصورة التي أريد أن أنقلها، صورة معاصرة تعبّر بصدق عن واقعنا.
طبعًا، ليس بالضرورة أن تدخل السياسة في كل شيء، لكن في النهاية، هذه رسالة، نوع الحب الذي لا يتعلق بحدود الدول، بل يمتدّ على كل أرضنا. إحساسنا الإنساني يجمعنا مع من يشبهوننا، من يُظلمون مثلنا، وهنا نسأل: "كيف يمكننا التعامل مع هذا الشعور؟"

كيف يمكننا تحويل هذا الإحساس إلى شيء حقيقي ومؤثر؟

كما أقول دائمًا، علينا أن ننظر إلى الخوف والألم في عيون بعضنا البعض، لأننا لا نستطيع الهروب من الواقع. لكن من هذا المنطلق تحديدًا، أرى في ذلك قوة لا حزنًا. لست أقدّم أغنية حزينة؛ على العكس، إنها تحمل معنى الوحدة، وإحساسًا بأننا جميعًا نشعر معًا ونحمل الوجع ذاته. ومن الضروري أن يرى الناس هذا الأمر ويسمعوه، لأن من هنا يبدأ طريقنا نحو الحرية.

كيف تساهم خبرتكِ في الموضة وعرض الأزياء في تعزيز صورة كليباتكِ الغنائية وعروضكِ على المسرح؟

الموضة هي أداة للسرد القصصي، نستخدمها لإيصال القصة والرسالة التي نريد التعبير عنها. في كليب "يا عيني كفاك ألم" (Ya Enay Kafak Alam) أرتدي ملابس توحي وكأنني أكتب بطريقة تقليدية، وكأن أداة السرد هنا هي موضة ممتعة بحد ذاتها، أي كأننا نقول إنها في وضع خاضع، قادرة على الجلوس في البيت في إطار منزلي تقليدي، مقيّدة ومؤطَّرة، لكنها في الوقت نفسه تبدأ بالاستيقاظ. يبدأ الكليب بلحظة وعي، ثم تدخل في مرحلة انتقالية، مرحلة قرار.
بعد ذلك، تنتقل إلى صورة أشبه بمحاربة، بروح قريبة من Mad Max Warrior، تخلع كل هذه الرموز، لأن السؤال الأساسي هو: ما معنى أن يكون الإنسان عربيًا؟ وما معنى أن يكون مرتبطًا بتاريخه؟ أو بالأحرى، أن يكون مضطرًا لأن يكون مرتبطًا بهذا التاريخ، الذي ليس جميلًا بالضرورة، بل يشبه الكارما، وهو نتيجة حروب أو صراعات بين البلدان.
أريد أن أتحرر من هذا النصيب، إن صحّ التعبير، وكما أقول في الغناء: ghamor rit ji sam من هذه القسمة، أريد أن أخلع كل شيء، كما خلعت الشعر عن رأسي، والعباءة، والأكسسوارات، وقررت أن أخرج من هذا البيت.
كان هذا الفعل رمزيًا جدًا، لأنني أردت أن أعود لأجد انتمائي الحقيقي إلى الأرض. خرجت إلى الجبال، مرتدية حذاءً ثقيلاً، باللون الأسود، بمظهر قاسٍ وبسيط جدًا، شبه عارٍ، لأعود فأجد نفسي، لأتجرّد من كل شيء، كي أتمكن من العثور على ذاتي من جديد.
هذه قصة أزياء تصعب روايتها بالكلام فقط، لأنها في جوهرها شخصية، وجزء لا يتجزأ من القصة، والموضة هنا ليست عنصرًا ثانويًا، بل هي تعزّز السرد وتدعمه، وهي جزء أساسي من الحكاية نفسها.

ظهرتِ في الكليب بمشهد مؤثر تقومين خلاله بحلق شعر رأسكِ، ما الرسالة التي أردتِ إيصالها؟

الإنسان يجب أن يتجرد من كل شيء، ويبدأ من جديد، ويملك الجرأة لترك كل شيء وراءه، كأنه تعب من حياته السابقة، ويريد أن يتخلص منها، يتحرر، ويجد معنى جديدًا لوجوده.

ما الذي دفعكِ لاختيار هذا اللون الموسيقي تحديدًا؟

أبحث دائمًا عن موسيقى تُشبهني، وتكون عالمية ولكن تعكس جذوري العربية. هذا اللون الموسيقي جميل جدًا لأنه يجمع بين ثقافات مختلفة، ما أثر بي بشكل كبير، وأكيد كنا نتناقش كثيرًا في مرحلة الإنتاج والتوزيع، ولكن بلال عبدو هو المسؤول الأول عن هذا اللون. أشعر أن هذه لن تكون آخر مرة أقدّم فيها موسيقى بهذا الأسلوب، لأن في النهاية، الرسالة هي أننا كلنا يد وحدة في هذه المنطقة، سواء في لبنان، السعودية، المغرب، مصر، أو حتى فرنسا.


لاحظ الجمهور وجود مونولوج في منتصف الأغنية، كيف يخدم ذلك الرسالة التي تحملها كلماتكِ؟

هذا المونولوج يعبّر عن الطريقة التي تعاملت بها مع حجم الأذى الذي كنّا نراه ونعيشه خلال السنوات القليلة الماضية، ولم يكن هذا الأذى خارجيًا فحسب، بل كان يتسرّب إلى داخلنا ويخترقنا من العمق.
كانت الخطوة الأولى هي القبول، لم أهرب من الواقع، ولم أغمض عينيّ، ولم أحاول البحث عن ملجأ. على العكس تمامًا، قررت المواجهة: مواجهة مشاعري، ووجهي الحقيقي، لأن كل شيء يبدأ من العلاقة التي تربطني بنفسي.
لم تكن هذه التجربة عنفًا فقط، بل كانت "كشف حجاب"، كما أُزيل الحجاب حرفيًا في الفيديو، أُزيل الرمز أيضًا في الحياة، فجأة، صار كل ما كان غامضًا واضحًا، كنت أرى، لكنني لم أكن أبصر. أما الآن، فلم تعد عيناي تنغلقان، أرى، أحمل، وأستمد القوة من هذه المواجهة، قوة تجعلني أتوقّف عن الخوف، وأقول: "سأقاتل من أجل الحرية".
أدرك أنه في هكذا ظروف، يعود كثيرون إلى دواخلهم، ويدخلون في حالة من الإنكار أو الخدر، أما أنا، فقد اخترت رد الفعل الذي يخلق قوة حقيقية: مواجهة الذات، ومن هنا تبدأ الحرية.

ماذا تحضرين لمحبيكِ؟ وهل هناك فنان تطمحين للتعاون معه في أعمال قادمة؟

سنة 2026 ستكون أكثر سنة سأطلق فيها أغاني، سأكون أكثر انشغالًا بتطوير هويتي الفنية، وهناك الكثير من الأغاني التي تتناول مواضيع لم أتناولها بعد، لذلك أنا أعمل أيضًا على ألبومي الجديد.
حالياً، أنا جزء من برنامج يدعم الموسيقيين، أنا وخمسة آخرين من لبنان تم اختيارنا لهذا البرنامج، الذي يستمر لمدة ستة أشهر، إذ نكتب ونسجّل ونصوّر أغاني جديدة، لذلك، هناك الكثير من الأعمال الرائعة التي يتم تحضيرها الآن.
كما أعمل على مشروع آخر يتعلق بالطهي، بما أنني نباتية، أريد أن يكون هناك وعي ليس فقط في موسيقاي، بل أيضًا في نوعية الطعام الذي نتناوله وكيف نتعامل مع البيئة والحيوانات، وهذا جزء من التعاطف الذي أتحدث عنه في موسيقاي، هذاالمجال الفنيأيضًا سيكون له إطلاق قريب جدًا.
هناك العديد من التعاونات قيد التحضير، لا أريد الإعلان عنهم الآن، لكن هناك الكثير من الفنانين الذين أعمل معهم، وما يمكنني قوله هو أن الأشخاص الذين عملت معهم في السابق، أرغب في التعاون معهم مجددًا، لأنني من وقت أن عملت معهم حتى اليوم، مررت بتطور كبير. على سبيل المثال، أستاذي ومرشدي، مايك ماسي، الذي عملنا سويًا على أغنية "شو أورجينال" لمسلسل "صالون زهرة"، كانت تلك أول خطوة لي قبل أن أبدأ في صنع موسيقاي الخاصة، وكانت تلك الأغنية قد حققت انتشارًا واسعًا، لذلك أرغب الآن في التعاون معه بعد النمو الذي حققته.
وكذلك، مع بلال، هناك أغنية جديدة في طور التحضير بيننا، ضمن نفس النوع الموسيقي الذي يمزج تأثيرات من عدة دول عربية وأفريقية. المستقبل بدأ للتو، وأنا متحمسة جدًا لمشاركة ما سيحدث في 2026.