أظهرت الأبحاث الحديثة أن اليقظة المستمرة ليست حالة طبيعية للجسم، بل تُعامل داخل الدماغ كنوع من الإجهاد الأيضي، فمع كل ساعة يقضيها الإنسان مستيقظاً، تزداد حركة الوصلات العصبية وتتراكم نواتج الأكسدة والضغط الخلوي، وهي أعباء تتولى الخلايا الدبقية لاحقاً التخلص منها، ولهذا يلاحظ العلماء ارتفاعاً واضحاً في نشاط الخلايا النجمية المسؤولة عن ابتلاع أجزاء من المشابك العصبية بعد فترات قصيرة من فقدان النوم، وهو أمر مثبت في أكثر من دراسة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتحول نقص النوم إلى عادة طويلة الأمد، إذ تنتقل الخلايا الدبقية الصغيرة إلى حالة تُعرف بـ"التهيؤ"، فتتقاصر تفرعاتها وتصبح أكثر شراسة، وتبدأ في إزالة مواد من المشابك العصبية بمعدل أعلى.

هذا التحول يشبه ما يُرى في المراحل المبكرة لبعض الاضطرابات التنكسية، إذ تصبح هذه الخلايا شديدة الاستجابة وتتعامل بقسوة مع الإشارات العادية، بمعنى آخر، الحرمان المزمن من النوم لا يجهد الدماغ فحسب، بل يعيد تشكيل الطريقة التي ينظم بها نفسه ويُصلح بها أنسجته.

والخلاصة أن النوم هو الفترة الوحيدة التي يتوقف خلالها تراكم الضرر، وتبدأ عملية الإصلاح بالتفوق على الاستهلاك، لذلك، فإن الحفاظ على النوم ليس رفاهية، بل هو الحاجز الحقيقي بين دماغ يحافظ على شبكاته، وآخر يتعرض لانهيار تدريجي.