الممثل اللبناني جوزيف زيتوني هو واحد من المواهب التي استطاعت أن تفرض حضورها في الدراما والسينما والمسرح. بدأ مشواره بخطوات ثابتة، ولفت الأنظار بموهبته وقدرته على التنقّل بين الكوميديا والتراجيديا بسلاسة. شارك في أعمال عديدة لاقت نجاحًا لافتًا، نذكر منها فيلم "ضيوف شرف" وفيلم "هردبشت"، قبل أن يطل في عام 2025 بشخصية الكاهن في مسلسل "مرحبا دولة 2"، والتي شكّلت منعطفًا مهمًا في مسيرته التمثيلية، لما حملته من جرأة وواقعية.
ما الذي جذبك لتجسد شخصية الكاهن في مسلسل "مرحبا دولة 2"، وكيف تم اختيارك لهذا الدور؟
ما جذبني أولاً هو الطريقة التي عُرض بها عليّ الدور من قِبل الكاتب والمخرج محمد دايخ، إذ طلب مني أن أجسّد هذه الشخصية تحديدًا، لأنه يرى كل ممثل بحسب أسلوبه وشخصيته، ويكتب له الدور على هذا الأساس، وذلك حتى قبل كتابة الجزء الثاني من المسلسل. أخبرني أن الشخصية جريئة ومختلفة، فوافقت فورًا، لأن التعاون مع محمد دايخ في السابق كان مميزًا ومريحًا، والعمل معه يمنح الممثل مساحة واسعة ليضيف من روحه وأفكاره إلى الشخصية.
يؤمن محمد دايخ بأن النص ليس جامدًا، بل يجب أن يخرج حيًّا عبر أداء الممثل، لذلك كان يشجعنا دائمًا على تطوير الشخصيات وتعميقها ضمن الإطار المحدد لها، وهذا ما أحببته، إذ وجدت في شخصية "الكاهن" فرصة للتجديد والتحدي، خصوصاً وأنني لم أجسّد مثلها من قبل.
أما أكثر ما جذبني فهو أن الشخصية لم تُطرح بصورة نمطية، بل كإنسان طبيعي لديه مشاعر وانفعالات، يتأثر بالرعية، يغضب ويناقش مثل أي شخص عادي. هذا الطرح جعل الشخصية قريبة من الناس، وخلق حالة من التعاطف معها. أحب الشخصيات الكوميدية وأميل لإضفاء جزء مني عليها، لكنني في الوقت نفسه، أسعى إلى تجسيدها بعمق وإنسانية، وهذا ما وجدته في هذا الدور تحديدًا.
كيف حضرت نفسيًا وعمليًا لتجسد دور الراهب، خصوصاً أنه يمس موضوعًا حساسًا؟
لم أتعامل مع شخصية الكاهن على أنها تحتاج إلى تحضير نفسي معقّد، بل اعتبرتها شخصية طبيعية مثل أي شخصية أخرى أجسدها. اخترعت لها خلفية خاصة بي، لم أُظهرها كلها على الشاشة، لكنها ساعدتني على فهم أسباب انفعاله وطريقة كلامه. استفدت أيضًا من بعض القصص التي عشتها أو سمعتها في "الضيعة"، وأضفت تفاصيل من خبراتي الشخصية، خصوصًا وأني نشأت في بيئة مسيحية وأعرف جيدًا الطقوس والتقاليد، وهذا الأمر منحني قدرة على التعامل مع الدور بدقّة واحترام، وأيضًا إدخال لمسات واقعية تجعل الشخصية أقرب للجمهور.
منذ البداية كنا الكاتب محمد دايخ وأنا، حريصَين على عدم الاقتراب من أي خطوط حمر أو إيحاءات قد تُفهم بشكل خاطئ، لأن الهدف لم يكن أبدًا السخرية من صورة الكاهن أو إظهاره بشكل سلبي، بل تقديم شخصية عادية تعيش مشاعر يومية مثل غيرها. ولعل ما لا يعرفه الكثير من الجمهور، هو أني استعنت بصديق كاهن ناشط في الحياة الكنسية، وكنت أستشيره في بعض التفاصيل: ماذا يقول في مواقف معينة، كيف يتصرف، كيف يعبّر…؟ وكل النصوص المرتبطة بالكاهن عُرضت عليه مسبقًا قبل التصوير. هذا منحني ثقة إضافية بأن ما أقدمه صادق وواقعي ويحترم صورة رجل الدين، مع المحافظة على الجانب الكوميدي الذي يتطلبه العمل.
اعتمدت الكوميديا في شخصية الراهب على تفاعله مع الرعية والفوضى الاجتماعية المحيطة به، وليس على الدين. المواقف اليومية البسيطة وسوء الفهم مع أهل الضيعة، خلقت الطابع الكوميدي، ما جعل الشخصية عفوية وواقعية، ونجحت من دون أن تكون مستفزة.
كيف تعاملت مع الإنتقادات؟
أراها أمرًا طبيعيًا يرافق أي عمل ناجح، وبعض التعليقات السلبية هي ناتجة عن سوء فهم أو جهل، بينما الكثير من المتابعين من المسيحيين المتدينين، وجدوا الشخصية محببة وقريبة منهم. لا نتوقف عند الهجوم غير البنّاء، بل نرحب بالنقد الجاد لأنه يساعدنا على التطوير. الجدل حول العمل دليل على أنه وصل إلى الجمهور وأثار النقاش.
ما الذي يميز الجزء الثاني من مسلسل "مرحبا دولة" عن الجزء الأول؟
يتميّز الجزء الثاني بأنه أدخل خط الدين إلى جانب خط الدولة، ليشمل العمل كل فئات المجتمع. الدولة والدين يُعتبران السلطتين الأساسيتين في لبنان منذ نشأته، والمتحكمين بمفاصل الحياة.
هذا التطور جعل العمل يعكس صورة المجتمع اللبناني ككل، ويمنحه هوية أكثر وضوحًا، خصوصًا مع بيئة الضيعة التي أضافها الكاتب محمد دايخ كخط جديد في الأحداث. فإذا كان الجزء الأول قد ركّز على الدرك والقصص الاجتماعية كأساس، فإن الجزء الثاني أضاف طبقة جديدة هي الدين والضيعة، ما جعل المسلسل أكثر ارتباطًا بالواقع اللبناني.
كيف كان التفاعل بينك وبين فريق العمل خلال التصوير؟
التفاعل كان رائعًا ومليئًا بالمرح، خصوصًا أنني أعرف معظم الزملاء منذ فترة طويلة، وعلاقتي بهم تتجاوز حدود العمل إلى صداقة في الحياة اليومية، ما جعل أجواء التصوير ممتعة وسلسة، واستمتعنا فعلًا بكل لحظة قضيناها معًا.
كنا نتمنى أن يستمر التصوير لفترة أطول، لكن العمل اقتصر على ثماني حلقات. ومع ذلك، كانت التجربة ثرية وممتعة جدًا، ونأمل في المستقبل أن تتاح لنا فرصة لتقديم جزء أطول.
كيف كانت ردود الفعل التي تلقيتها من الجمهور عن دورك؟
ردود الفعل كانت مشجّعة جدًا، فقد لاحظنا أن الكثير من الناس استمتعوا وضحكوا من القلب. هذه الشخصية عادة إمّا يحبها الجمهور بشدّة أو يرفضها تمامًا، لكن الحمد لله كانت أغلب الآراء إيجابية.
حتى أن الأشخاص المتدينين تقبّلوا الشخصية وأحبّوها، وضحكوا على المواقف التي مرّت بها، وهذا دليل على أننا أصبنا الهدف الأساسي، وهو أن نُظهر أن هذه الشخصيات هي بشر عاديون، يمكن أن يكونوا طيبين، ومضحكين، ومقرّبين من الناس. هذه الروح بالتحديد جعلت العمل مادة مسلية ومحببة لكل الفئات.
عملت مع محمد دايخ، والممثلين حسين دايخ، حسين قاووق ومحمد عبدو، في السينما بفيلم "هردبشت"، قبل مسلسل "مرحبا دولة"، هل يمكن أن نراك معهم مجددًا في عمل مسرحي؟
نحن نحب العمل معًا، ونجد متعة كبيرة في ذلك، سواء في التفكير أو في التنفيذ، ونحن على الموجة نفسها في الكوميديا والتمثيل، وأتمنى أن نخوض معًا مشاريع جديدة، فكل الاحتمالات مفتوحة طالما أن الطاقة موجودة.

























