وسط شغفٍ متوارث بالموسيقى والفن، صنعت لنفسها مساراً خاصاً يجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، لتقدّم هوية فنية متفرّدة تمزج بين الشرق والغرب.

من خشبة المسرح التي رافقتها منذ طفولتها، إلى الحفلات التي باتت تحتفي بصوتها وأغنياتها الخاصة، استطاعت أن تترك بصمتها في قلوب الجمهور بخطوات واثقة.

في هذه المقابلة، تفتح لنا نور حلو قلبها للحديث عن البدايات، والتأثيرات التي شكّلت هويتها، وأعمالها الغنائية والمسرحية، وصولاً إلى أول حفل خاص لها في بيروت، وما تحمله المرحلة المقبلة من مشاريع وأحلام.

بدايةً، كيف تصفين انطلاقتكِ في عالم الفن؟ وما الذي شكّل الدافع الأساسي وراء دخولك مجالَي الغناء والتمثيل؟

أنا نشأت في عائلة تحب الموسيقى كثيرًا. جدّي، رحمه الله، كان يعزف على المجوز، ووالدي كان يغنّي في السابق، أي قبل أن يتزوج ويقرّر أن يبتعد عن الفن، لكنه كان جزءًا كبيرًا من حياته. لذلك، كان هناك شغف، وكان هناك حب عميق للموسيقى. ونجح والدي، إن أردتِ القول، في أن ينقل هذا الشغف لي منذ أن كان عمري سبع سنوات، بل حتى من قبل، إذ اكتشفوا منذ صغري أنني أحب الموسيقى ولديّ أذن موسيقية.

وعندما بلغت السابعة، بدأوا بتعليمي العزف على البيانو. وكنت أيضًا أحب الرقص كثيرًا، فتعلّمت الرقص مع فرقة كركلا. وكأنني كوّنت علاقة مع خشبة المسرح منذ صغري، وكبرت هذه العلاقة معي، هذا الرابط الذي أشعر به كلما وقفت على المسرح.

وكان للمدرسة أيضًا دور كبير في ذلك، كما تعلمين، هناك دائمًا حفلات نهاية السنة وحفلات عيد الميلاد، وكانوا دائمًا يطلبون مني أن أشارك بالغناء. فكوّنت علاقة جميلة جدًا مع المسرح ومع الجمهور. لم يكن هناك أجمل من الشعور بأنني أعتلي المسرح لأغني أو أقدم رقصة أو أغنية معينة، وأشعر أن الجمهور يتفاعل معي وتصلهم هذه المشاعر.

وهذا الأمر كان يعني لي الكثير، ليس فقط لأنني أستمتع بالوقوف على المسرح، بل لأن تفاعل الناس وسعادتهم بهذا التقديم كانت تسعدني أيضاً.

فيما بعد، درست الإخراج في الجامعة، وهذا الأمر قرّبني أكثر من المجال الفني بشكل عام، ومن مجال التمثيل بشكل خاص، وأشعر أن هذه المجالات" الغناء، التمثيل، الرقص" هي وسائل يستطيع الإنسان من خلالها أن يعبّر عن مشاعره الداخلية ويوصلها إلى الناس.

خلال مسيرتكِ، من هم الفنانون الذين كان لهم تأثير واضح في تجربتكِ الفنية وألهموكِ على المستوى الإبداعي؟

هناك معلومة قد تكون غريبة قليلاً: صحيح أن الأغاني الخاصة بي التي أطرحها اليوم باللهجة اللبنانية أو بالعربية، لكن عندما كنت صغيرة كنت أغني بالأجنبية، وكنت متأثرة كثيراً بأغاني ويتني هيوستن، ماريا كاري، وتينا تيرنر.

أتذكر أنني في عمر 12 سنة، كنت أجلس على الشرفة وأستمع إلى أغانيهن وأحاول أن أكرر ما يغنينه، وأعيد وأعيد، فتمكنت من التقاط الروح التي كنّ يقدمنها في طريقة الغناء، وبهذا الشكل قمت بتمرين نفسي على هذه الأغاني، واعتدت أن أغني بالأجنبية.

لكن في الوقت نفسه، كان والدي يحب كثيراً الموسيقار ملحم بركات "رحمه الله " وكنا دائماً نسمع أغانيه في السيارة، وأيضاً السيدة فيروز.

بت أذكر أننا كنا نسمع أغانيها ونحن متجهون إلى الجنوب "لأننا من الجنوب" وخلال الطريق الذي يستغرق ساعة ونصف، كانت هذه الأغاني تعلق في ذهني.

الجميل في الأمر أنني تمكنت من دمج هذا النمط الغربي في الأغاني، ومن نقل هذا الإحساس لكن باللهجة اللبنانية، التي قررت أن أعتمدها في أغنياتي، وإذا لاحظتم، فإن موسيقى أغنياتي ليست شرقية بحتة، لأنها متأثرة بالعالمَين معاً، إذا صحّ التعبير.

أحببت أن أكون قادرة على دمج هذين النمطين أو المدرستين، لأنهما جزء من هويتي، وهذه الهوية أحاول اليوم أن أُبرزها، خصوصاً أن تلك الأسماء (ويتني، ماريا، تينا...) لعبت دوراً أساسياً في تشكيل هويتي الفنية.

لننتقل إلى أغنيتكِ "بالليل"... كيف وُلد هذا العمل الغنائي؟ وكيف كان التعاون مع نبيل خوري وسليمان دميان في هذه التجربة؟

حتى الآن، لا أستطيع أن أعبّر عن مدى سعادتي بالتفاعل الكبير من الناس مع هذه الأغنية تحديدًا، لا يزالون يستخدمونها حتى اليوم، وقد استخدموها في لحظات فرحهم، سواء الأزواج الذين يتزوجون أو من يخطبون أو حتى خلال عروض الزواج ، كنت سعيدة جدًا بأنني استطعت أن أشارك، حتى لو ليس بشكل شخصي، لكن من خلال الأغنية، شاركت هؤلاء الأشخاص الذين لا أعرفهم في لحظات فرحهم.

شعرت بفرح كبير عندما رأيتهم يختارونها كأغنية للـ"first dance"، هذا الأمر يعني لي الكثير فعلًا.

عندما قررنا أن نعمل على الأغنية أنا والملحن نبيل خوري، كنا نتحدث عن رغبتنا في تقديم أغنية حب بأسلوب جديد، سواء من حيث طريقة الطرح أو الكلام الذي أردناه بسيطًا جدًا، وأيضًا من حيث التوزيع الذي استوحيناه من الأغاني الأجنبية.

وبصراحة، أنا ممتنة جدًا لتفاعل الجمهور، وفرحت جدًا عندما رأيت الناس يغنونها ويحفظونها في الحفلات، شعرت بسعادة لا توصف.

وأحب أن أضيف أن الأغنية الجديدة التي نعمل عليها حاليًا "ولم تُطرح بعد" ستكون مختلفة تمامًا عن كل ما قدمته سابقًا، لأنها المرة الأولى التي سندخل فيها عنصر البيت المقسوم في التوزيع، لتكون لها نكهة من الموسيقى اللبنانية التقليدية التي نعرفها.

إنها تجربة جديدة بالنسبة لي، ونبيل أصرّ على أن تُوزّع بهذه الطريقة. الأغنية من توزيعتين، واسمها "ما بتشبهني"، وهي أيضًا من كلمات وألحان نبيل خوري.

أن تجربة العمل على الأغنية كانت ممتعة جداً، لأننا كنا نحن الثلاثة... أولاً، نبيل خوري شخص موهوب جداً في كل ما يقوم به، وقد استطاع أن يثبت هويته الفنية. ولهذا السبب، يهمّني كثيراً أن أعمل معه، ويهمّني أن أتلقى أغاني منه، لأن أغانيه فعلاً تشبهني، وأسلوبه يتماشى مع شخصيتي الفنية. هو يعرف ما الذي يليق بي وما الذي أحبّه.

وأيضاً سليمان دميان، طريقة توزيعه تحمل هوية خاصة به، ولذلك كان العمل مع هذين الشخصين ممتعاً جداً. وكانت عملية التحضير والإنتاج سلسة جداً، لأننا نحن الثلاثة كنا نعلم تماماً إلى أين نريد أن نصل بهذه الأغنية، وبأي طريقة نريدها أن تُقدَّم وتُسمَع.

خضتِ تجربة مسرحية مميزة من خلال "كلّو مسموح" إلى الفنانة كارول سماحة... كيف تصفين هذه التجربة وما أضافته لكِ كممثلة ومغنية؟

صراحة، كانت تجربة لا تُنسى على الإطلاق، وأعتبرها خطوة مهمة إلى الأمام في مسيرتي الفنية، وخصوصاً في مجال التمثيل، كانت هذه أول تجربة لي في التمثيل، وأيضاً أول تجربة في التمثيل الغنائي، وكانت تجربة صعبة جداً لأننا كنا نرقص ونغني ونُمثّل في الوقت نفسه، بمرافقة فرقة موسيقية تعزف الأغاني مباشرة على المسرح.

حتى أن الجمهور كان يظن أننا نؤدي الأغاني عبر "بلاي باك"، لكن في الحقيقة، كان ذلك بمثابة مجاملة لنا، لأننا عملنا بجد كبير وحرصنا أن يظهر العمل نظيفاً واحترافياً.

أحب أن أقول إن العمل مع الفنانة كارول سماحة كان رائعاً جداً، أنا سعيدة جداً أنني تعرفت عليها وعملت معها، لأنها إنسانة قوية جداً، رغم كل الظروف التي مرّت بها، إلا أنها علّمتني كيف يمكن للإنسان أن يكون قوياً ويتحدى الصعوبات، هي شخصية محترفة للغاية، قريبة من القلب، تُعطي النصائح والتشجيع والدعم، ولا تتمحور حول نفسها، بل تعمل بروح الفريق.

أنا فعلاً محظوظة أنني عملت معها، وكل فريق العمل كان رائعاً، بدءاً من المخرج روي خوري ونيلا خوري، وأحب أن أكرر شكري لهما لأنهما وثقا بي وبموهبتي، ومنحاني الفرصة لأكون جزءاً من هذا العمل.

الدور الذي جسّدته، وهو دور "أمل"، لم يكن سهلاً، خصوصاً أن القصة تتمحور حول هذه الشخصية، فكانت المسؤولية كبيرة جداً، وأتمنى أنني كنت على قدر هذه المسؤولية، من خلال تفاعل الناس وردود فعلهم، أعتقد أن التجربة كانت ناجحة بكل معنى الكلمة.

أقمتِ مؤخراً أول حفل غنائي خاص بكِ في بيروت، كيف كانت مشاعركِ في تلك اللحظة وأمام جمهوركِ للمرة الأولى؟

الحفل الذي قدّمته يوم الجمعة الماضي كان فعلاً حلماً من أحلامي منذ أن كنت صغيرة، وتمكنت من تحقيقه أخيراً. كان شعوراً لا يمكن وصفه بالكلمات، لأنه صحيح أنني أُحيي حفلات وأغني في الأعراس ووقفت على المسرح أكثر من مرة، لكن هذا الحفل تحديداً كان مختلفاً وجديداً عليّ.

شعرت أن لدي مسؤولية كبيرة، لأن الجمهور أتى ليحضرني أنا، ليرى من هي "نور". لم يكن الجميع يعرفني من قبل، لذلك شعرت بأنني مسؤولة عن أن أُعرّف الناس إلى نفسي بأفضل طريقة ممكنة. وكان التفاعل من الجمهور رائعاً جداً في كل الأغاني التي قدّمتها.

حرصت أن أختار برنامجاً متنوعاً من الأغاني، يجمع بين أغنياتي الخاصة وأغانٍ باللغة الإنجليزية والفرنسية والعربية. اخترت أغاني نشأت عليها، لفنانين وفنانات كبار أكنّ لهم الكثير من المحبة.

ومن أكثر اللحظات تأثيراً في الحفل، كانت عندما شاركني والدي الغناء على المسرح، غنّى معي في أغنيتين، وهذه كانت نقطة ضعفي شخصياً. كنت أنتظر هذه اللحظة منذ أن بدأت التحضير لهذا الحفل، وتمنيت أن يوافق على مشاركتي، خاصة وأنه لم يستخدم صوته أو يغنِّ منذ فترة طويلة.

في البداية، كنت خائفة من أن يرفض، لكنه لم يخيّب أملي، وصعد إلى المسرح وغنّى معي، لا يمكن وصف شعوري حينها، كانت لحظة مؤثرة جداً، شعرت أن والدي أيضاً استعاد ذكرياته على المسرح، حين كان يغني في السابق، أن يقف إلى جانبي على المسرح، كان بالنسبة لي لحظة لا تُنسى، وأنا متأكدة أنني دائماً أريد أن يكون حاضراً معي في كل خطواتي، وهذا قرار لا رجعة فيه بالنسبة لي.

على خشبة المسرح، ما هي الأغاني التي تفضلين تقديمها دائماً؟ وما السبب وراء هذا الاختيار؟

عندما أُحضّر لأي حفلة، وخاصة حفلة مثل تلك التي أقمتها يوم الثلاثاء، التي كانت حفلة خاصة لي كحفل موسيقي، أضع بالتأكيد أغانيي ضمن البرنامج. وهناك أغاني تكون من نوع الـ"covers" (أغاني معاد تقديمها)، أحاول اختيار أشياء أحبها وأستمع إليها منذ كنت صغيرة، فهي بالنسبة لي كأنها تاريخ أو علاقة معينة تربطني بهذه الأغاني.

مثلاً، أغنية "I Will Always Love You" كانت من أوائل الأغاني التي بدأت أغنيها عندما كنت صغيرة. وأغاني ملحم بركات تعني لي الكثير، لأنها تمثل هذا الرابط بين ملحم ووالدي، رحمه الله، فأحاول اختيار أغاني تلعب دورًا أساسيًا في طفولتي وطبيعتني، وأيضاً أشياء تُظهر قدرات الصوت، لتُظهر نور ماذا يمكنها أن تغني وماذا تستطيع أن تفعل.

وأختار الأغاني بناءً على هذا الأساس، وأتأكد دائماً أن الأغاني التي يختارها الجمهور هي أغاني يحبونها. وأنا متأكدة أن الأغاني التي اخترتها كانوا يحبونها بشكل خاص، لأن هذه الأغاني قريبة منا جميعاً ونحبها ونستمع إليها.

وأشعر من خلال تفاعلهم في كل أغنية، لم يكن هناك أي أغنية توقفت أثناءها، فقد كانوا يتفاعلون بالتصفيق، أو بالرقص، أو حتى بالتأثر والدموع. وهناك من قال لي إنهم بكوا. بالتأكيد لا أريد أن أبكيهم، لكن من الجميل أن أعرف أن هذا الشعور وصل إليهم، لأن في نهاية كل شيء أقوم به، الهدف هو إيصال هذا الشعور حقاً.

كلمة أخيرة

كلمة أخيرة أود أن أقول فيها شكراً للفن على هذه المقابلة الجميلة، وشكراً لكل شخص شاركني في هذا المشوار منذ بدايته وحتى الآن، ولكل من بدأ الآن يتعرف عليّ. إن شاء الله تكونوا تحبون كل ما أقدمه، وإن شاء الله أبقى دائماً على قدر المسؤولية، وأقدم أعمالاً جديدة تحوز على إعجابكم. انتظروني في أعمال جديدة، فأنا متحمسة جداً لها، وأحبكم كثيراً.