في الفترة الأخيرة، بدأ مصطلح جديد يُعرف بـ "ذهان الذكاء الإصطناعي" يتردد بكثرة في الأوساط الطبية والإعلامية، لوصف حالات أشخاص فقدوا ارتباطهم بالواقع، بعد قضاء ساعات طويلة في محادثات مع روبوتات المحاكاة اللغوية، منها "شات جي بي تي".
أوضحت صحيفة واشنطن بوست أن هذا المصطلح لا يُعتبر تشخيصاً طبياً رسمياً، لكنه يُستخدم للإشارة إلى أوهام ومعتقدات مضللة، كالإحساس بالعظمة، الاعتقاد بإمتلاك قوى خارقة، أو مشاعر البارانويا، وهي أعراض ظهرت لدى بعض المستخدمين الذين اعتمدوا على الذكاء الإصطناعي كبديل عن الاستشارة والدعم النفسي.
من بين الشهادات التي كشفتها الصحيفة، قصة رجل يُدعى "هيو" من اسكتلندا، بدأ باستخدام "شات جي بي تي" لطلب نصائح مهنية، قبل أن ينغمس تدريجياً في قناعات وهمية زرعتها له المحادثات، حتى بات يعتقد أنه يمتلك معرفة استثنائية، ما دفعه للتوقف عن مراجعة الأطباء والمعالجين. حالات أخرى ذكرت أن بعض المستخدمين باتوا مقتنعين بأن الروبوتات "تحبهم"، أو أنها أفشت لهم "أسراراً كونية"، فيما اعتبرت إحدى السيدات أن تجربتها كانت أقرب إلى "إساءة نفسية"، خلال تجربة رقمية غامضة.
التحذيرات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ أشار مصطفى سليمان، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، إلى خطورة ما وصفه بـ"الذكاء الاصطناعي الذي يبدو وكأنه واعٍ"، مؤكداً أن المشكلة ليست في وعي حقيقي للآلة، بل في اقتناع البشر بذلك، ما يجعلهم يتعاملون مع التقنية كأنها واقع فعلي. من جانبها، شبّهت الباحثة سوزان شيلمردين، التأثير النفسي لهذه الظاهرة بما تفعله "الأغذية فائقة التصنيع بالجسد"، مرجحة أن يضطر الأطباء قريباً إلى سؤال مرضاهم عن مستوى استخدامهم لهذه الأدوات، تماماً كما يسألونهم اليوم عن التدخين أو شرب الكحول.
وتكشف الأرقام حجم التحدي، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 700 مليون شخص يتفاعلون أسبوعياً مع "شات جي بي تي". ورغم أن نسبة المتأثرين تبدو صغيرة، فإنها قد تمثل عدداً ضخماً على مستوى عالمي.
وجدت دراسة من جامعة Bangor، أن 20% من المشاركين يرون أن من هم دون 18 عاماً، يجب أن يُمنعوا من استخدام هذه الأدوات، بينما نصف المستطلعين تقريباً، رفضوا فكرة أن يعرّف الذكاء الاصطناعي نفسه كـ"إنسان".
شدد الأطباء النفسيون على أن الخطر الحقيقي يكمن في العزلة الإجتماعية، والاعتماد على بدائل اصطناعية للعلاقات الإنسانية، مؤكدين أن الحل يكمن في الموازنة: استخدام الذكاء الإصطناعي كأداة مساعدة لا كبديل عن التواصل البشري. كما دعوا أي شخص يشعر بالانجراف وراء أوهام رقمية، إلى العودة للتواصل مع العائلة والأصدقاء، أو طلب الدعم النفسي لتثبيت الصلة بالواقع.

























