احتضن المتحف الوطني في بيروت أمسية موسيقية أحياها منفردًا عازف البيانو الإيطالي الشهير روبرتو بروسيدا لجمهور الموسيقى الكلاسيكية في لبنان بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، ومدير المعهد الثقافي الإيطالي في بيروت إنجيلو جيوفي وفي سياق الحفلات الموسيقية التي ينظمها الكونسرفتوار دوريًا حيث حضر الأمسية جمع من السياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين وأهل الثقافة والفن والموسيقى، تقدمهم سفيرا إيطاليا وكولومبيا ومدير المعهد الإيطالي أنجيلو جيو ووفد دبلوماسي إيطالي.
افتتحت الحفل رئيسة المعهد د. هبة القواس بكلمة تنوعت بين العربية والإنكليزية والإيطالية، وقالت: "نُقيم هذا الحفل كتأكيد أن لبنان باقٍ في روحه، في نغمه، في جوهره الثقافي. مصرّين أن تبقى الموسيقى فعل الحياة، وصوت الإنسان الحر، وتعبيرًا راقيًا يتجاوز من يسعون إلى تقييد وطنٍ لا يُقيّد. في حضرة النغم، تسقط الحواجز وتذوب الأزمنة. في حضرة الموسيقى، نحن لسنا شعوبًا وأوطانًا فحسب، بل نحن كائنات تصغي إلى جوهرها، إلى صداها الأوّل، إلى ما يشبه الحقيقة حين تتجلّى على هيئة صوت. والموسيقى، منذ وجودها، كانت وسيلة الإنسان ليُعيد ترتيب الفوضى، ويمنح الزمن نبضًا قابلاً للعيش. نجتمع اليوم لنحتفل ليس فقط بعزف أو برنامج، بل بلحظة تتقاطع فيها الأزمنة، والثقافات، والقلوب، لحظةٍ يصير فيها الجمال فعل مقاومة، وتصير الموسيقى بيتًا مؤقّتًا نلجأ إليه جميعًا. ومن لبنان، بلد الضوء الخارج من العتمة، إلى إيطاليا، بلد الفنّ والاتّساع الروحي، نفتح بابًا جديدًا للحوار، حيث الكلمة الأولى والأخيرة... للموسيقى".
وأضافت القواس :"يشرفني ويسعدني أن أرحب بكم هذا المساء في المعهد الوطني العالي للموسيقى، منارة ثقافية تعكس روح لبنان ونفسه وصموده من خلال لغة الموسيقى العالمية. إن هذا المعهد، الذي يرتكز على التراث الموسيقي الغني للبنان، والمستوحى من التزامه الثابت بالإبداع، يواصل ازدهاره كمكان للتميز والحوار والاستكشاف الفني. إن لقاءنا هو شهادة أخرى على الدور الحيوي الذي تلعبه الدبلوماسية الثقافية في تشكيل ورعاية عالم مترابط ومزدهر. أود أن أتوجه بجزيل الشكر إلى سفارة إيطاليا في لبنان على تعاونها المستمر والملهم معنا. لقد جلبت هذه الشراكة على مر السنين حوارًا موسيقيًا بين ثقافتينا، حوار يتجاوز اللغة والحدود".
وتابعت القواس: "إن هذا الحدث المسائي مميز بشكل خاص بفضل العمق الشخصي والثقافي الذي أضافه صديقنا العزيز، الملحق الثقافي الإيطالي في لبنان، السيد أنجيلو جيو. إن معرفته العميقة بالموسيقى، وحبه للبنان، ورؤيته الثقافية الرفيعة أضافت بعدًا إنسانيًا وفنيًّا فريدا إلى هذه الشراكة. كما يشرفنا أن نرحب بعازف البيانو الذي يجسد فنه أناقة وعمق وتنوع الموسيقى الإيطالية. روبرتو بروسيدا، الذي يتمتع بإتقان شديد في نقل التفاصيل اللحنية والوضوح البارع، يعتلي خشبتنا بعزف يتنقل بين كنوز دالابيكولا الشعرية إلى بوح شوبان، ومن أناقة ميندلسون إلى الابتكار الإيقاعي في بيترسي.
وختمت القواس حديثها :"هذا البرنامج ليس مجرد أداء، بل هو سرد منسق من الشغف والعقل والتاريخ. وفي يد المايسترو بروسيدا، تصبح كل قطعة قصة حية، تنكشف أمامنا بكل دقة وعاطفة. الموسيقى هي فن اللامرئي، خيط صوتي يعبر الزمن ويصل بين الأرواح عبر اللغات والحدود. إنها شكل من الدبلوماسية الصامتة، تتحدث إلى القلب قبل أن تتحدث إلى العقل، وتبني جسورًا حيث كثيرًا ما تفشل الكلمات".
ثم كانت كلمة لمدير المعهد الثقافي الإيطالي في بيروت أنجيلو جيو شكر فيها المعهد الوطني العالي للموسيقى ممثلاً برئيسته على التعاون المثمر بينهما، والمتحف الوطني على احتضان الأمسية في مساحة خلابة للتاريخ، ورحب بعازف البيانو بروسيدا. عرض جيو لبعض مشاريع المعهد الإيطالي مع مؤسسات ثقافية لبنانية، وتابع: "الموسيقى هي قوة تتخطى الزمن وتجسد الحضارات الإنسانية على امتداد العصور. ونحن في المعهد الثقافي الإيطالي نعتز بالتعاون مع المعهد الوطني اللبناني للموسيقى، الذي لا يقتصر فقط على الحفلات الموسيقية بل يتضمن أيضاً نقل خبراتنا الموسيقية إلى المواهب الموسيقية في لبنان، عبر إقامة أنشطة موسيقية مع الكونسرفتوار، وماستر كلاسز وبرامج تدريب وغيرها من مشاريع التبادل الموسيقي والثقافي. ونحن نؤمن أن التعليم والفن يسيران معاً إلى النهاية، لأن الثقافة ليست ترفاً وإنما ضرورة، وهي فعل صمود ونشر للجمال والأمل".
أمسية موسيقية ساحرة ضاقت بحضور كبير ملأ المتحف والباحات الجانبية، تألق فيها العازف الإيطالي الشهير روبرتو بروسيدا، وهو أحد أهم العازفين في العالم الذي يتنقل مؤديًا عروضه على أبرز المسارح العالمية. فأمتع جمهور الحاضرين في حفل فني استثنائي، أخذ الحضور في رحلة بين العصور حيث قدم مجموعة من روائع الأعمال الكلاسيكية الخالدة لعدد من أعظم الموسيقيين، تنوعت بين مؤلفين من مدارس موسيقية مختلفة. أظهر بروسيدا خلالها براعته وحرفيته العالية على البيانو، في أداء مذهل امتاز بالدقة الفنية والعمق التعبيري، ونجح في الجمع بين التقنيات الفائقة للبيانو وبين الإحساس الفني العميق، مضيفًا أبعادًا جديدة على المعزوفات، ما جعل الأمسية حدثًا موسيقيًّا لا يُنسى.
الافتتاح كان مع مقطوعة "Sonatina Canonica on Paganini's Capricci"، للمؤلف الإيطالي "Luigi Dallapiccola (1904-1975)" المعروف بتقنياته المعقدة والحديثة التي تدمج التنوع اللحني مع التلاعب بالإيقاعات، فكان عزف هذا العمل بمثابة تحدٍّ تقني، إذ قدم بروسيدا أداءً دقيقًا يعكس الحساسية العميقة للموسيقى المعاصرة.
لينتقل بعدها إلى مؤلفات “Felix Mendelssohn (1809-1847)” ومجموعة من "أغانٍ بلا كلمات" “6 Song ohne Worte” التي تتميز باللحن الرومانسي الخفيف والعاطفي. ومنها:
- op. 19 no. 6 و op. 38 n. 2 اللتان جسّدتا الخيال الموسيقي الواسع، حيث أظهر بروسيدا إبداعه في التعامل مع الانسيابية واللحن الرومانسي معبّراً عن التنقلات النفسية.
op. 38 n. 6 "Duet"، أضافت عنصر الحوار الموسيقي بين النغمات المختلفة، متابعًا عزفه مع op. 53 n. 2 وop. 62 n. 6، التي أظهرت عمق المشاعر والطبقات الصوتية التي ميّزت أعمال مندلسون.
لم يقتصر البرنامج على الموسيقى الرومانسية فقط، بل شمل أيضًا "Rondo Capriccioso op.14" من مندلسون، التي تعكس أسلوبه المفعم بالمرح والابتكار، مؤدّيًا هذا العمل بشغف وأداء راقٍ، مما أبرز التقنيات العميقة التي يتمتع بها هذا المؤلف العظيم. تلى ذلك أداء لقطع من “Goffredo Petrassi (1904-3003) مع “Toccata” (1933) التي تتسم بالقدرة على الدمج بين الحداثة والبلاغة الموسيقية، بالإضافة إلى “Inventions n.1,58” المعروفة كأعمال موسيقية تتضمّن تنقلات سريعة ودقيقة بين النغمات، وتمكن بروسيدا من تأدية هذه الأعمال باحترافية عالية، مستعرضًا التنوع الكبير في الأنماط الموسيقية للمؤلف.
وفي ختام الأمسية، قدّم بروسيدا أعمالًا خلابة من “Frederic Chopin (1810-1849)” حيث عزف “Nocturnes op. 62 n. 1 and 2” ، التي تمثل قمة الرومانسية والعاطفة في موسيقى البيانو، وأظهرت تقنيات عزفه العميقة في التأثير والتعبير العاطفي، مع التفاعل المثالي بين الإيقاع واللحظة. كما قدم أيضًا “Bllad no.4 op.52” ، إحدى أروع إبداعات شوبان، فتمكن بروسيدا من إبراز الجوانب العاطفية العميقة للعمل.
من ناحية أخرى، أسرت الأمسية الحضور بتنوعها وإبداعها الموسيقي، تمثل ذلك في الإنصات العميق والتفاعل مع اللحظات الموسيقية والعزفية الاستثنائية، حيث كان الأداء بمثابة رحلة بين حقبات موسيقية مختلفة تجمع بين الحداثة والكلاسيكية، مما أضاف طابعًا خاصًا للعزف الذي جسد الابتكار الفني والتقني.