من مؤسسي الدراما اللبنانية ، ترك فيها بصمات لا تُمحى حيث تألّق حضوراً وأداءً .
شكّل مع الراحلة هند أبي اللمع ثنائياً جميلاً فأبدعا وبرعا وإستطاعا أن يقنعا الجمهور بأنهما حبيبان فعلاً .
هو الصوت الدافئ الأنيق الذي يدغدغ مشاعرنا بقصائده الجميلة المكتوبة بالفصحى الصحيحة وليس بالفصحى المستحدثة لأن اللغة العربية جزء من حياته .
رحلة جميلة من زمن أصيل نسترجعها مع ضيفنا القدير عبد المجيد مجذوب .
نسمع دائماً بالزمن الجميل ، ما الذي ينقص هذا الزمن ليصبح جميلاً ؟
كل ما كان في ذاك الزمن ، البراءة ، الصدق ، الهمّة ، الرغبة في الإبداع لوجه الإبداع ، الإخلاص ، الإندفاع ، كل هذه الاشياء ، كل شيء له علاقة بما كان يسمّى في زمننا معنوياً والذي كان يحرّكنا ويقود خطانا فُقد الآن ، الآن كل ما يقود الخطى ويحرّك و.. هو مادي ليس معنوياً ، فعندما يتحول كل شيء إلى مادة "كم بقدّيش خود ناول هات عطي مصاري ، بتتذكّر المسرحية تبع زياد الرحباني؟ أوتوماتيكلي تُفقَد القيمة" ، وهذا لا ينطبق فقط على عالمنا العربي هو يتفاوت بمستوى ثقافات الشعوب لكن هذا على مستوى الدنيا ، ومنذ قرن ولغاية اليوم أي شيء بالعادات بالتقاليد بالهوايات ، حتى بالأخلاق لأنه يسيطرون عليك عبر وسائل الإعلام الغربية ، الغرب الممسك بزمام الدنيا سيطر على العالم بالسينما ، بالإعلام ، هم يفرضون عليك ما يجب أن تلبس ، وما هي الألوان التي يجب أن تحبها ، وما الأكل الذي يجب أن تأكله ، وكله ضد المنطق والقيمة لأنه في النهاية أنت كأمة كشعب لك أصل وأساس ، لديك تقاليدك وتراثك وفولكلورك وذوقك الفطري ، وإيمانك بالاشياء "ما في هيدا كلّو خلص what they want you do" ، تقليد ، قررت أميركا أن يلبس العالم جينز كل العالم يلبس جينز ، من خلال السينما الأميركية ، قرروا أن يأكل العالم "هوت دوغ وهمبرغر وكذا" إنتشرت المطاعم بكل العالم وبالصين ،الصين لأي درجة هي مناهضة أو مناقضة لأميركا من حيث الـculture، "طبعاً الصينيين ما إنساقوا قدّنا نحنا ، لأنو بياعين الهوا في البلاد ، إنت تخيّل الحكومة اللبنانية هلأ إذا بدك تتوتّر وتتسلّى وتسبّ وتشتم وكذا حضار أي نشرة أخبار سماع أخبار هالناس هيدول اللي عم بيبلعطوا" بين مجلس النواب والحكومة والقيادات السياسية وفلان بالأشرفية وفلان بطرابلس والثاني بصيدا والثالث بالجنوب وآخر بالشوف و"شو بيحكوا وكيف بيحكوا ، يعني بالآخر إنو إنت عايش فعلاً بسيرك غريب الشكل بس سيرك هزلي على سريالي كوميدي يعني سخيف"، فما الذي كان في الزمن الجميل ولم يعد الآن ؟ هو الفارق بين المعنوية والمادية .
إلى أي مدى تغيّرت الدراما ؟
تغيّرت كثيراً ومن البديهي أن تختلف "المنطق عم يختلف ، التعامل عم يختلف" لا يبقى على ما هو إلا هو .
هل الدراما تعالج مواضيعنا اليوم ؟
لا للأسف الشديد ، أنت في النهاية تريد مربّين ، فنانين أصيلين جدّيين ، نعود للمعنويين أصحاب المعنوية الذين يريدون أن يقدّموا أفكاراً فيها تنوير يُتّبَع من قبل المتلقي ، أنت تشكل وجدان وأسلوب حياة وحركة الجمهور وخصوصاً من خلال هذه الأداة الخطيرة العظيمة التي هي التلفزيون اليوم ، كانت بزمننا لكنها لم تكن بهذه القوة التي هي عليها الآن .
أين هم المعنويون الذين تتحدث عنهم ؟ هل هم غابوا أم غُيّبوا أم أنهم غيّروا أفكارهم ؟
الناس تتبع الموضة ، تتبع السائد "الماشي الإستهلاك شو بدّو السوق إشياء" من هذا القبيل ، "بدّك إنسان لما هو يكون مؤمن بالقيمة وبالرصانة وبالأخلاق بصورة عامة ، أتكلّم عن الكاتب لأنه في البدء كان الكلمة" أهم شيء ما يُكتب ، عندما يمسك قلمه بيده ويجلس أمام الأوراق ويدخُل في طقس التفكير والكتابة بنيّة الإبداع ويبدأ برسم الشخوص وأفكارهم وتصرفاتهم لتتحوّل هذه الأوراق التي يكتبها إلى صورة مرئية على الشاشة ، صورة حيّة ، من هنا تنطلق مسألة القيمة ومن هنا تبدأ كل المسائل ، حتى الجدية عندما يكون النص جدياً والذين يتصرفون مع النص يتصرفون بجدية .
هل ممثلو اليوم يتصرفون مع النص بجدية ؟
"في كتير" ، هناك قدرة على الأداء والإبداع .
ما هي نسبتهم ؟
في أي وقت كان "قدّيش فكرك كانت نسبة الجيدين المبدعين اللي بيتركوا شعاع بصمة عند الناس؟".
كنت والراحلة هند أبي اللمع مقنعين جداً بتمثيلكما ، هل السرّ يكمن بأنكما كنتما عفويين جداً بأدائكما ؟
أنت تلّفظت بكلمة سر وشرحت السر الذي هو العفوية والبساطة في الأداء والتعبير ، مرة سئل أحد كبار نقّاد الفن في العالم "من هو الممثل؟ فأجاب "الذي يُخال لك أنه لا يمثّل" وهكذا كنا هند أبي اللمع وأنا ، إنسجام عظيم ، إنسجام بالنص بالموضوع الذي كنا نؤديه ورغبة في الإتقان من الطرفين حيث كان الكل يريد أن يبدع وكنا بين يدَي مخرج عظيم رحمه الله وهو أنطوان س. ريمي ، الزمن كله كان زمن الإبداع .
الإنسجام العظيم الذي تحدّثت عنه ولّد شائعات ربطت بينك وبين هند
كان ممكن أن أكن أي شيء نحو الراحلة هند ، رحمها الله ، إلا مسألة مشاعر شخصية "وبعتقد كمان هي كانت تكرهني ما نحب بعض أبداً ، فعلاً مش عم بمزح"، كانت إمرأة قوية وشرسة وكراكتير فظيع ، "مرات نكون واقفين ورا الديكور وإذا المشهد فيه شوية رومانسية جوّا ، لو افترضنا انو بدي إلمسها أو إلمس الجاكيت تقلّي قيم إيدك يقطع عمرك ما أسألك" ، ولكن بمجرد أن نصبح أمام عدسة الكاميرا يظهر الإتقان والموهبة والجهاد الصادق والحقيقي.
كنتما فعلاً ثنائياً رائعاً
مسألة الثنائي نادراً ما تعطي بريقها العظيم في كل أنحاء العالم ، الثنائي نجح معنا بشكل ملفت ، وأول مرة إلتقينا بـ"حول غرفتي" ولاقى صدى غير معقول وليس فقط في لبنان بل أينما كان وذلك منذ الحلقة الأولى .
ومنذ الحلقة الأولى صرت نجماً وهذا ما كتبته الصحافة حينها
صدقت ، كانت دائماً العين عليّ كممثل والتقدير كبير من كل الناس ، ومسألة Star أو نجم أنا أحستتها منذ أن عُرضت الحلقة الأولى من "حول غرفتي" وبعد ثلاثة مشاهد "مش معقول اللي صار" ، الإعجاب الذي ينصهر بمنطق الدهشة وفوراً شعرتُ بنِعم هلّت عليّ من السماء ، نعمة كبيرة أن تكون محبباً في عين كل من يراك ومُقدّر بصدق ، المهم فترة عظيمة قطفناها ، وبعد سنة أو سنتين عاد وإتصل بي أنطوان ريمي وقدّم لي مشروع مسلسل "عازف الليل" وطبعاً وافقت على الفور ، وعندما قدمنا المسلسل ، وهذا من النوادر أن نفس الشخصين الثنائي ، نجحنا نجاحاً أكبر من النجاح الأول وإنطلقت في عقول الناس وعلى صفحات الصحف الفنية أن هذا الثنائي عظيم ، وقدمنا بعده "ألو حياتي" وأيضاً حصد نجاحاً أكبر ، وبعده "لا تقولي وداعا" ، كل عمل قدمناه لاقى إقبالاً رائعاً من المشاهدين في لبنان وفي كل مكان في العالم العربي عُرضت فيه هذه الأعمال .
ممثلو الجيل الماضي جميعهم تركوا بصمات مميزة
بِنِسَب متفواتة ، "وهلأ في كتير والله أنا بقعد بتفرّج عليهم وبحب إنو أداؤه كويّس ولكن الموضوع اللي عم يشتغل فيه تافِه".
أنا أنطلق من مبدأ أن الموهبة ليست وقفاً على أحد أو زمان أو مكان ، يمكن أو تولد وتنشأ وتتعاظم في أي وقت "إنو مش عبد المجيد مجذوب إنو خلص ما بقى يجي متلو ، بيجوز ما بقى يجي متلو وما مطلوب إنو يجي واحد نسخة يعني" إنما مطلوب أن يُخلق أصل جديد يؤثر في الناس أينما عُرضت صورته أو أداؤه في لبنان أو في العالم العربي أو حتى في العالم ، ولي قصص عجيبة غريبة عن أجانب كانوا يشاهدون مسلسلات قدّمناها في لبنان وتبث في العالم العربي وكان الأجانب يجلسون ويشاهدون الحلقة "طبعاً لا في subtitle ولا عم نحكي بالإنكليزي".
كنتم تتكلمون حينها بالعربية الفصحى
بالفصحى وأيضاً بالعاميّة ، أولاً كان في لبنان مثل برامج أبو ملحم العظيمة كانت كلها بالعامية ، بدءاً من مسلسل "حول غرفتي" بقيت الفصحى ولكن بدأت تطغى اللهجة العامية وكان هذا منطقي أن تخاطب الناس بلغتهم الدارجة التي يتكلّمون بها في الشارع .
بماذا تشعر عندما تسمع شاعراً أو مسؤولاً يُشكّل كلماته بشكل خاطئ ؟
يؤذيني خصوصاً إذا ما كان شاعراً ، الأغلبية العظمى تَرتَكِب جرائم بحق اللغة العربية مما يؤثر على مضمون الخطاب فهؤلاء يزعجوني طبعاً ، إذا كان المتكلم سياسياً "ماشي الحال بتزعجك بسيطة ويمكن تبتسم" ، ولكن عندما يُقَدَّم لك شخص على أنه شاعر ورأسماله كشاعر هذه اللغة التي يتحدّث بها إلى الناس "بيروح طارقلك كل غلطة بالنحو فهيدا بيزعج وبيخلليك تغضب فعلاً".
قلت في إحدى المرّات "عمر الشريف في أوروبا وأنا في لبنان" وبعد تصريحك هذا إتهمت بالغرور .
بالحقيقة أنا بطبيعتي إنسان مؤمن ، مؤمن بكل القيم الخيّرة في الوجود ، لا أريد أن أقول لك "إنو أنا يعني ملتزم دينياً أو ما بعرف شو" ، ولكن أنا مؤمن بالناموس ، بالفرقان عندنا بالإسلام ، يعني الوصايا العشر ، طيّب ، صادق متواضع ، أحب الله ، أحنّ على الأضعف مني ودائماً أعلم بأني أنا غُبار لا شيء هذا المجيء والدهر ، والناس تحبني وأنا أحب كل الناس ، أحب الضعيف والفقير ، ولأني مخلص وخلوق "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"، صعب جداً أن تجد إنساناً يتحلى بكل هذه الصفات ، صدقاً وليس قولاً ، المغرور يُظهِر التعالي والعظمة على الآخرين ، أنت إن كنت مليئاً بالقيمة لماذا تنغرّ ؟ أنت تُجري معي الآن لقاء إعتقاداً منك بأني فنان مهم وأدّيت رسالتي على أكمل وجه ، "كيف بدّي كون فنان مهم وأنا مغرور ؟" ، لا تستطيع أن تكون معطاء عظيماً تعطي بقيمة إن كنت مغروراً ، صعب ، لا يلتقي هذا بذاك .
يعني ما صرّحت به لا يعد غروراً بل ثقة بالنفس
أنا قلت ذلك عن عمر الشريف بمعنى أنه قيمة ، فهو ممثل عربي ذهب إلى العالمية عن جدارة وإحتُرِم عطاؤه ، أبو الطيب المتنبي قال :"أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود" ، "طبعاً هيدي شغلي كبيرة ما ح نوترك ونفهمك شو القصة" ، بمعنى أنك أنت انسان لا تلقى التقدير والتشجيع والحب من أهلك وبنيك ليرفعوك وليقولوا أنك تستحق أن تكون ، هي مقارنة ، مرة إحدى الصحف التي توزّع في الدول العربية أجرت إستفتاء على مستوى العالم العربي وسألت "من أحب النجوم إلى قلوبكم في العالم العربي والذين تشاهدونهم عبر شاشة التلفزيون ؟"
وكان الجواب عبد المجيد مجذوب
أستغفر الله العظيم "بيرتِعِش الإنسان" ، وبفارق مدهش "إنو سبحان الله إنت تارك أثر طيب عند الناس".
الأثر الطيب ما كان ثمنه لأنه دائما ما يقال أن هناك ضريبة يدفعها الفنان مقابل نجاحه ؟
أعوذ بالله "هيدا كلام فاضي" ، إطلاقاً ، العزة والكرامة ، ماذا هناك أجمل من أن أي وجه يقابلني في الطريق ينظر إلي برضا ويبتسم "وين في نعمة أكبر من هيك؟" ، الرضا والحب والإبتسامات والتقدير .
تقول إنك لم تحب ولا مرة ، على أي أساس إذاً تزوّجت ؟
"والله إلا أسبابا ومنها مجال للتداول" ، في النهاية قدري شاء أن أتزوج وأنجب إبنتين و"بعدين تفشكلنا بهاي القصة اللي عم تحكي عنها حُب وما حُب وروميو وجولييت وقيس وليلى ، بقا ما في منّو هذا" لأن إهتماماتي بشيء آخر "فالمرأة هيدي ضاق خلقها منّي رمِتلي البِنتين وراحِت" ، أتت مخلوقة أخرى كانت حنونة وطيّبة ومعجبة بشخصي قدّمت عرضاً هو "أنا بساعدَك بالبِنتين ، قلتلها إي بس ما بقا بدنا أولاد ، قالت لا" إلتقينا على هذا الأساس وخالفَت الشرط فأنجبنا أولاداً أكثر .
بعد مشاركتك في مسلسل "الغالبون" قلت "أجسد حكاية تمنيت أن أكون أحد رجالها، لكنني مقتنع بأنني منهم من دون أن أحمل البطاقة الحزبيّة" ، فإعتبر البعض أنك تؤيد حزب الله بمعنى أنك حسبت على جهة لبنانية معيّنة
أنا مؤمن بفلسفة المقاومة وبواجب المقاومة وبحق المقاومة ، أي إنسان مقهور لا يصح أن يستسلم يجب أن يقاوم ، وأنا دعمت المقاومة بالكلمة وبكل ما قدّرني الله عليه فوق الكلمة ، قلت شعر تحد لبَني إسرائيل وتقييما عالي المرتبة للمقاومة ، "إي فيني قول هيك أنا ، بس إنو أنا هلأ زلمي فيني إحمل بندقية وقاوم ؟" ، ولكن أنا أقاوم رغم أني أكبر سناً من أن أحمل البندقية وأكون مقاتلاً في ساحة القتال ، أنا أقاتل بالكلمة وبالموقف ، "يا خيي مين ردّلك شرفك وأرضك لوطنك؟ أوكي أنا منّي شيعي أنا سنّي من حيث إني جيت عالدني سنّي" ، ولكن هناك مقاومين وأنا أموت بـ"القبضايات" في الشمال والجنوب والبقاع وأينما كان "يللي بيرفع راية الأمة والحق في وجه الباطل أنا معو شو ما كان دينو أو مذهبو أو بطاقتو".
هل أنت زعلان من أحد ؟
أبداً ، أستغفر الله .
هل من أحد زعلان منك ؟
"ما بعرف" ، الله رب قلوب الناس ، "أنا عمري ما عامل شي" يصح أن يزعل منه أحد ، أبداً ، أنا إنسان مسالم جداً ، هناك حكمة تقول "الحياة أقصر من أن تقضيها في حساب أخطاء الآخرين".
بماذا توصي ممثلي اليوم ؟
الجدية ، الصدق ، الأخلاق ينبت منها الصدق والجدية والإخلاص والإندفاع في سبيل الإبداع .
كلمة أخيرة
هل تستطيع أن تحب إنساناً لا تحترمه ؟
طبعاً لا
إذاً ، هذه هي الفكرة أنه يمكنك أن تحب إنساناً لا تكرهه ، ولكن إنسان تشمئز منه "فيك تحبو؟" مستحيل .






.jpg)

















