"كنا نطلب الفرقة 16 فرقة النجدة كل أسبوع لتردع الناس عن أبواب التلفزيون"

"غسان سالم قال لي أنت أستاذي وأنا بدّي قلّدك شو بدك تعمل؟"

"أسياد تشويه اللغة العربية الجزيرة والعربية"

"وحيد جلال الصوت الذي يدعو الناس للصلاة"

صوت أخّاذ ، رصين ومتألّق ، حفر إسمه بحروف من ذهب بحيث لا يستطيع الزمن ، ومهما مَرَّ وكان مرّاً ، أن يتجاهل أصالة هذا الصوت .

وحيد جلال مسيرة مهنية طويلة ومشرّفة أصبحت قدوة لمذيعين ومقدمي برامج وممثلين يحلمون بالنجاح والتميّز .

رحلة 50 عاماً من العطاء المُثمر حاولنا قدر المستطاع إيفاءها حقّها في حوارنا الآتي مع الممثل القدير وحيد جلال .

من حوّل عبد الواحد زنتوت إلى وحيد جلال ؟

إسمي الأصلي عبد الواحد زنتوت ، وأقولها بكل صراحة ، إسم عبد الواحد زنتوت "ثقيل" على الشاشة ، فبتلك الأيام تريد إسماً موسيقياً خفيفاً سريع الحفظ ، فإختصرت عبد الواحد الى وحيد ، وجلال أتى مع الوقت ، أنا أسميت نفسي .

"حظّك نصيبك" كان البرنامج الذي عرّف جمهور الشاشة الصغيرة عليك كمقدّم قبل أن تنتقل إلى التمثيل ، ماذا تذكر من تلك المرحلة ؟

بدأت بتلفزيون لبنان كمقدم برامج "كان عندي برنامج كسّر الأرض" إسمه "حظّك نصيبك" وكنا نطلب "الفرقة 16 يومها فرقة النجدة" كل أسبوع لتردع الناس عن أبواب التلفزيون كي لا يكسروا الزجاج ، وكان البرنامج مباشراً على الهواء حيث لم يكن هناك حينها آلات تسجيل ، فيديو تسجيل ، و"الأوديتوريوم يِنتلا ناس"، في النهاية مدير البرامج رشاد البيبي رحمه الله فرض "دخولية" على التلفزيون و"الناس تدفع وتفوت ، يا خيي فيك تحضرو بالبيت ، يفوتوا يحضروه شخصياً" ، وكان هذا خلال ستينيات القرن الماضي وبعدها بدأت التمثيل .

وحيد جلال وممثلو جيله كانوا يؤثرون بالمشاهدين لدرجة كبيرة بحيث كنا نصدّق كل ما تقومون به

مثّلت في مسلسل "حكمت المحكمة" وهو المسلسل الوحيد بالعالم العربي الذي إستمر 5 سنوات صيفاً شتاءً من دون عطلة ، وكان عبارة عن جريمة ترتكب وبعدها تبدأ التحقيقات وتنتقل للمحاكمة. كانت الشوارع تفرغ "القهاوي البارات المحلات تُفضى يوم الإثنين لما يكون في حلقة حكمت المحكمة" ، كنت ألعب دور المحامي "ياما شباب وصبايا فاتوا على كلية الحقوق من ورا هالمسلسل".

وبعد بفترة مثّلت في مسلسل "المفتش وحيد" كنت أؤدي فيه دور مفتش بالشرطة القضائية وأيضاً حصد نجاحاً هائلاً وبسببه الكثير من الشباب والصبايا دخلوا الى الشرطة القضائية .

مرة كنت متوجها إلى الإذاعة اللبنانية سيراً على الاقدام ، لأني أسكن على مسافة قريبة منها ، قابلتني سيّدة صدفة على الطريق وقالت لي "أستاذ وحيد أنا بحبك كتير لدرجة تزوجت وخلّفت ولد وسميّته وحيد ولما كبر دخّلتو عالشرطة القضائية تَيسمّوه المفتش وحيد" ، أرأيت كيف كان التأثير؟ أتستطيع أن تقول اليوم أنّ هناك أحداً يؤثّر فيك بهذا الشكل؟".

الحمدلله أنا أفتخر بهذا الشيء ، هل تصدق أن الناس كانوا يتصلون بأمي في البيت ، رحمها الله ، "بدّن يوكلوني بقضايا إنو إبنِك ما بيخسر ولا دعوى".

تاريخ جميل أكيد ، كان لدي حركة أقوم بها في "حكمت المحكمة" حيث كنت أرتدي ثوب المحاماة و"يومتا كان طويل عليّ شوي ، كنت كلما أردت أن أبدأ بمرافعة أو بإستجواب شاهد أرفع أكمامي، أخبرني فاضل سعيد عقل كاتب المسلسل أنه في إحدى المحاكمات الحقيقية بقصر العدل كان هناك محامٍ "صار يكزدر متلي ويرفع أكمامو متلي" فقال له القاضي "شو عم تعمل شو مفكرلي حالك وحيد جلال؟".

لماذا وحيد جلال غائب هذه الأيام عن الدراما اللبنانية ؟

رفضت 10 مسلسلات بسبب المستوى المنحدر الذي وصلنا له في هذه المسلسلات التلفزيونية المحلية "ما عم شوف حدا عم يحضر شي" ، أتقابل مع أناس كثيرين يسألوني "أين أنت يا أستاذ ولماذا لا نراك تمثل؟" ، أجيبهم :"في شي عمل معين عم تحضروه بتتخيّلوني فيه؟" ، يجيبوني بالنفي ، ما من أحد يتابع مسلسلات لبنانية ، إعتراض الناس هو على قلة الذوق "إنو هيدا مش نحنا".

لهذا السبب أصبحوا يستعينون بممثلين عرب في الدرما اللبنانية ؟

معظم المحطات اللبنانية تعرض مسلسلات تركية مدبلجة ، الناس يحبون المسلسلات اللبنانية ، وليس من الضروري أن تدعم نفسك لتقدّم دراما ، ونحن كل ما نريده هو إنتاج جيّد وواعٍ "عارف البلد والناس شو بدا" وكاتب جيّد وقصّة جيّدة .

وماذا يريد الجمهور ؟

"في تلفزيون عم يعرض شي بناءً على طلب الجمهور؟".

يعني قصص الدراما اللبنانية لا تشبهنا ؟

"ولا شي ، ولا هالتكشيف والتزليط والمخدرات".

ولكن هناك من يقول إنه لدينا هذه القصص في مجتمعنا ولكنها في الظل

"في عنّا ناس كتير أوادِم وكتير شُرفا ، بيوت عريقة وكتير نبيلة" ، ما يُقدّم لا يمثّل مجتمعنا أبداً ، لكنك عندما تقدم موضوعاً يهمّ الناس فَهُم يشاهدونه ، لذلك الناس لا يشاهدون هذه المواضيع لأنهم يعرفون أن هذه المواضيع لا تمثلهم ولا تشبههم .

هل رفضت المسلسلات بسبب أسماء كتّابها وذلك لأنك على علم مسبق بأسلوبهم في الكتابة ؟

كيف أرفض نصّاً إذا لم اقرأه؟ ممكن أن يكون الكاتب جيداً ويكتب عملاً غير جيّد ، ممكن أن كاتباً لم ينجح ولكن عمله الثاني يكون أفضل ، أنا آخذ النص "بفلّيه تفلاية" أقرأ كل دور وكل حرف مكتوب حتى حركة الكاميرا أقرأها ، أتابعه كله ، "بس لما الموضوع ما بيفوت راسي ما بتخيل حالي فيه" ، أنا أضع نفسي مكان الجمهور عندما أقرأ قصة أو مسلسل إذا أرضيت نفسي كجمهور أقبل بالدور ، أنا تخطّيت مرحلة أن أظهر لأتصور وأشتهر على التلفزيون لتحبني البنات ، أريد شيئاً يرضيني ويرضي الناس ويرضي طموحاتي على الأقل "مش شغلة بتكبس زر بتغيرها هيدي بتكون ماشية بدمّك ما بتقدر".

برزت بالسينما المصرية اللبنانية المشتركة بأدوار البطولة وليس كبعض الممثلين اللبنانيين بأدوار ثانوية جداً

مثّلت في 16 فيلم سينمائي ، منها أفلام لبنانية وأفلام لبنانية مصرية مشتركة ، وسافرت إلى مصر ومثّلت هناك ، ومثّلت في فيلمين عالميين صوّرت مشاهدي فيهما في لبنان وتكلمت حينها باللغة الإنكليزية .

وحيد جلال لقّب بـ"دونجوان السينما" كما رشدي أباظة وأحمد سالم ؟

طبعاً أكيد ، فترة الشباب كنا شباباً حلوين وناجحين والتلفزيون "ممكن مُلوك اذا بدك" ، أكيد مررنا بفترة جيّدة جداً .

هل وحيد جلال منتسب للنقابة ؟

أنا منتسب للنقابتين .

في بيروت ؟

نعم (يضحك مطولاً) ، "ما هنّي تنيناتن أصحابي ميشان هيك عم قلّك للتنين" ، منتسب معنوياً ، كلهم أصحابي .

"ما بدّك تزعل حدا؟"

"أساساً ما بيتزعلوا ، ليه بدّي زعّلن؟ أنا فنان مثلهم وهم أخوتي وأحبائي .

وحيد جلال مسالم

طبعاً ، مسالم جداً ، مسالم إلى حدود "ما بحب حدا يغبّر عليي ، أكيد ما بقبل بصفّي ساعتا نمر شرس" ، ولكن بطبعي مسالم ومحب وأحب كل الناس .

عملك اليوم كصوت إعلاني هو للمردود المادي نظراً لغيابك عن التمثيل ؟

نعم ، وأيضاً أعمل في الأفلام الوثائقية والمسلسلات الإذاعية .

أفلام وثائقية مدبلجة؟

أوقفت العمل في الدوبلاج ، أعمل في أفلام وثائقية للبلدان العربية حيث يأخذون موضوعاً معيناً يتحدثون فيه عن بلد ، عن تاريخ ، وليس بمعنى دوبلاج أن تضع الكلام على الصورة .

وحيد جلال لا زال الصوت الإذاعي الأبرز على مر عقود ؟

"إنشالله" .

أنا أقول ذلك لأنه أصبح هناك نسخ من صوت وحيد جلال ومن عدة أجيال وهناك تقليد واضح .

صحيح التقليد واضح (يضحك مطولاً).

غسان سالم ؟

صحيح ، قالها لي مرة ولا أستطيع منعه ، قال لي "أنت أستاذي وأنا بدّي قلّدك شو بدك تعمل؟" ، "شو بدّي أعمل" (يضحك).

للوهلة الأولى نظن بأنه صوتك ولكن سرعان ما ندرك أنه صوت غسان سالم وليس صوت وحيد جلال

أنت رجل إذاعي لا تستطيع أن تقلّد صوت بني آدم، لأن الصوت هو نعمة من الله وأشكره عليها ، الأسلوب يُقلد "بس ما فيك تجيب الصوت".

هناك أصوات إذاعية جميلة اليوم ؟

طبعاً "أكيد الدني ما خليت" ، لبنان مليء بالمواهب .

أنا نشأت على صوتك في الرسوم المتحركة المدبلجة، وأذكر صوتك جيّداً في "جزيرة الكنز" و"مغامرات تان تان".

هذه من الأعمال التي أثّرت كثيراً في الناس ولغاية اليوم يتصلون بي من البلدان العربية ، وإذا بحثت في اليوتيوب أو الفايس بوك تجد محبين كثيرين لصوتي في هذه الأدوار ، لديك "جزيرة الكنز" ، "زينة ونحّول" ، "سندباد" و"مغامرات تان تان".

هناك فضائيات عربية كثيرة تعيد حالياً عرض هذه الرسوم المتحركة بحيث أصبح كثيرون يعرفون وحيد جلال من خلال هذه الرسوم المتحركة ، ما سرّ محبتنا الكبيرة لهذه الأعمال التي لا زالت راسخة في ذاكرتنا ؟

بحسب الناس الذين يتصلون بي ويراسلوني أو يكتبون على الفايس بوك ، هناك أجيال تربّت علينا كانوا أطفالاً وكبروا وأصبحوا يربّون أولادهم على ذات المسلسلات لأن كان لها معنى، وهناك موضوع تثقيفي وموضوع المحافظة على اللغة العربية ، نحن قدمنا في الماضي مسلسل كرتون إسمه "إسألوا لبيبة" لغة عربية سليمة وكان هناك أساتذة كبار درّبونا وعلّمونا ، ونحن أيضاً أصبحنا جيّدين ، فأخبرتني إحدى السيدات الطيبات من الخليج بأنها حين كانت تلميذة بإحدى المدارس في الخليج ، إستعملت كلمة من المسلسل المذكور في درس الإنشاء ، وعندما قرأت أستاذة اللغة العربية مسابقتها نادتها وقالت لها "أنا لم أعلّمكم هذه الكلمة ، كيف إستعملتها؟" ، فردت التلميذة بأنها شاهدت هذه الكلمة في مسلسل "إسألوا لبيبة" ، فما كان من الأستاذة إلا أن إشترت المسلسل وجعلت أولادها يشاهدونه ، هذا كان دورنا بالكرتون ، اليوم الكرتون تغيّر مفهومه وأصبح كله ميكانيكياً ورعباً وأشكالاً مخيفة وعنفاً ودماراً "هيدا ما كان على إيامنا".

ومرّة أُجريت معي مقابلة عبر إذاعة صوت لبنان فإتصلت بي سيّدة وقالت لي إنها معجبة جداً بصوتي ونشأت عليه وإشترت كل كاسيتات مسلسلات الكرتون التي شاركت في دبلجتها وجعلت أولادها يشاهدونها ، "هيدا الوسام يللي إنت بتعلّقو على صدرك".

وأهم شيء تشكيل اللغة العربية بشكل خاطئ

"فضايح ، اللغة العربية فضايح" ، أسياد تشويه اللغة العربية "الجزيرة" و"العربية".

بالأفلام الوثائقية أم بالأخبار ؟

بالأخبار ، "بيستعملولك تشويه للغة العربية بدّن إعادة تأهيل".

هناك من يقول إن هناك أكثر من مرجع للغة العربية، فيتحججون بهذا المرجع وذاك ، "أو في ناس فاتحة ع حسابها ؟"

"في كتير ناس فاتحة ع حسابها".

ويصبحون مرجعاً ؟

"لا ، مرجع غلط" ، يقولون الخطأ الشائع "أفضل من الصح" غير الشائع وهذا أنا ضده جداً "10 آلاف غلط بيعملوا صح واحد" ، لدي قاموس "محيط المحيط" للمعلّم بطرس البستاني "شغلة كتير مهمة " ، وهناك "لسان العرب" ، هناك مراجع مهمة ولكن "كل واحد بيفتحلي على حسابو متلما تفضّلت".

وحيد جلال بالنسبة لي هو مدرسة وأنا إستمتعت كثيراً بهذا اللقاء

الحمد لله أني إستطعت أن أترك بصمات جيّدة ، مرة أجرى معي ضابط من مديرية التوجيه مقابلة في إذاعة لبنان لبرنامج "الجندي" ، إسمع هذا التعبير الأدبي الذي قدّمني به للناس وإعتبرته ، وقلت له ذلك يومها على الهواء ، أهم من أي أوسكار يحصل عليه الممثل ، قدّمني قائلاً "المئذنة تدعو الناس للصلاة ، وجرس الكنيسة يدعو الناس للصلاة ، بصوته الإثنان ، صوته يدعو الناس للصلاة" ، "أهم من هيك أوسكار شو بدّي أنا؟". وأنتم المحبون أنا أشكركم جداً ، أنتم تاج على رأسي ووسام على صدري ، عتبي على السلام في لبنان أننا نريد سلاماً ، وسلامي لأفراد عائلة المر كلهم "هنّي إسمُن مرّ بس هني بمنتهى الحلاوة ، وأطلب من الله أن يوفقك بمجالك و"يخلليلنا ياك".