بعد أن نالت لقب أفضل مسرحية لبنانية حسب استفتاء مجلة "نادين"، لا بد أن نبدي إعجابنا بمسرحية "من ايام صلاح الدين" للأخوين فريد وماهر الصباغ، وإعجابنا بمصداقية وشجاعة القائمين على مجلة نادين رئيس التحرير عوني الكعكي ومديرة التحرير فدوى الرفاعي اللذين لم يفكرا لا بتملّق الفنانين ولا بـ"تبييض الوجه" ونشرا الاستفتاء، بعد أن رصدت المجلة كل الأعمال الفنية لعام 2011 وقدرا جهود الفنانين واستطاعا أن يكونا موضوعيين.


فمسرحية "من ايام صلاح الدين" أثبتت أن اللبنانيين يستطيعون أن يقدموا أرقى أنواع الفن المسرحي الغنائي، فهذا الفن ليس حكراً على أحد، ففريد وماهر الصباغ أبدعا أولاً بعمل لا يشبه غيره.

وكما قال العبقري زياد الرحباني حين شاهد مسرحيتهم الأولى "تشي غيفارا" ، "صحيح أنهما كتبا موضوعاً تاريخياً لكنه فريد من نوعه".

مسرحية "من ايام صلاح الدين" روت حقبة من حياة هذا القائد برزت فيها المواجهات الدينية بين الشرق والغرب والتي كانت مدفوعة بأهداف سياسية بحتة. أضاء العمل على انسانية هذا القائد الكبير ومعايشته لجميع الطوائف خاصة المسيحيين وحنينه لبعلبك مدينة الشمس، واضاف الاخوين صباغ حبكة ذكية على القصة وخلقا بلدا مواطنيه أطفال كان لهم الدور الاساسي بايقاف الحرب.

استخدم الاخوين صباغ كل ما قدمته لهما بعلبك وآثارها في مشهدية جمعت الجهات الاربع، وبرزت الهياكل الخالدة وكأنها الحدث فأبهرت جميع من حضروا.
لن أشيد باداء انطوان كرباج هذا العملاق الكبير الذي فهم القصة وقدمها باحترافية عالية وبمهنية لا تضاهى.
ولن اتكلم عن صوت عاصي الحلاني الذي استطاع أن يؤدي الطرب والطرب الشعبي والكلاسيكي والدبكة وكل ما تتطلبه المسرحية من الوان غنائية. هذا الصوت الذي هز أعمدة بعلبك، منذ دخوله الى مسرحها على صهوة الخيل كفارس من الزمن القديم بكل ما تحمله الكلمة في الشكل والمضمون.


أما صوت كارين رميا فتموج بين الوطنية والعاطفة والحنين ليحتل مكانا كبيرا في قلوبنا، وقلة هم الذين يستطيعون الغناء بالأداء الشرقي ثم الأداء الغربي بهذا الجمال.فكارين منضبطة بالتمثيل و عنفوانية بالاغاني الوطنيةوبارعة بالغناء المباشروكأنهاولدت لهكذا اعمال

اما نبيل ابو مراد وكارمن لبس وغسان عطية وخالد السيد وسبع بعقليني وجوزيف اصاف وبطرس فرح وألين العيلة وروجيه صقر قدموا اداء مسرحي محترف وكورس الجامعة الانطونية بادارة الاب توفيق معتوق غنى مباشرة، فكان الاداء متألقا تحت ادارة المخرجين فريد وماهر صباغ والحركة مدروسة وطبيعية. اما الحوار فهو سلس عفوي بعيد عن التصنّع.

اما الفرقة الموسيقية المؤلفة من 45 عازفا تحت ادارة المايسترو هاروت فازليان ، والتي عزفت مباشرة Live للعمل بأكمله وذلك للمرة الاولى منذ 55 عاما في بعلبك، أيقظت آلهة بعلبك لتحتفل بالموسيقى الحية التي استطاعت وحدها تمجيد عظمة بعلبك التي لم تشهد عملا كهذا منذ زمن بعيد.

موسيقى الاخوين صباغ جديدة ومتناسقة مع الكلمة ويأتي التوزيع فيها معبرا عن اجواء النص وليضيف رونق آلات كانت قد انقرضت من موسيقانا، فالموسيقى المعاصرة اصبحت تتكل على الاورغ والتوزيع الميكانيكي وبعيدة عن الاحساس ، فهنيئا لك يا لبنان بمبدعيك وهنيئا للمسرح الغنائي الذي اصبح منوعا وهنيئا لنجاح فريد وماهر صباغ، على أمل ان تقدر اعمالهم من المثقفين فنيا، وعلى أمل أن لا يهمشوا بها بعض الاعلاميين لأنهم "يتزلّمون" لذلك الفنان او لتلك الجهة.

واريد ان اتوجه بالشكر لجميع الاعلاميين المثقفين والمطلعين على المسرح الغنائي، الذين علموا كيف يصنفون ويصفون هذا العمل.

ويبقى ان اتوجه بطلب الى آل صباغ بان يجهدوا لعرض المسرحية في المدينة حتى ولو كان المسرح أصغر، رغم أنه لن يكون بضخامة مهرجانات بعلبك، والهدف ان يتمكن المواطن الذواق من مشاهدة هذا العمل الرائع، كما اتمنى عليهم أن يدرسوا جميع خطواتهم بعد هذا العمل الكبير.