تحل اليوم الثلاثاء 18 أغسطس/آب ذكرى ميلاد الممثل المصري الراحل جميل راتب، أحد أبرز أصحاب التجارب الفنية الاستثنائية في تاريخ السينما والمسرح المصري والعربي، والذي لم يكن مشواره مجرد رحلة ممثل بين الأعمال، بل حكاية فنان تمرد على الطريق الذي رسمته له عائلته، واختار الفن رغم كل الصعوبات حتى أصبح واحدًا من أكثر الوجوه احترامًا وتميزًا على الشاشة.
وُلد جميل أبو بكر راتب في القاهرة عام 1926، ونشأ في أسرة ميسورة ذات خلفية أرستقراطية، وكان من المتوقع أن يسلك طريقًا تقليديًا في الدراسة والعمل، لكنه منذ سنواته الأولى كان يحمل شغفًا واضحًا بالتمثيل، وحصل خلال دراسته على جائزة أفضل ممثل على مستوى المدارس المصرية والأجنبية في مصر. وبعد التحاقه بمدرسة الحقوق الفرنسية، سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، وهناك اتخذ القرار الذي غيّر حياته بالكامل، إذ ترك المسار الأكاديمي واتجه إلى دراسة التمثيل والعمل في المسرح، رغم اعتراض أسرته وانقطاع الدعم المالي عنه. لم تكن البداية سهلة، فاضطر في سنواته الأولى بفرنسا إلى العمل في وظائف مختلفة، بينها العمل نادلًا ومترجمًا وكومبارس، إلى جانب مشاركته في فرق مسرحية، لكنه تمسك بحلمه حتى استطاع أن يثبت نفسه على خشبة المسرح الفرنسي، وشارك في أعمال كلاسيكية، كما ارتبط اسمه بفرقة «الكوميدي فرانسيز».
وبدأت علاقته بالسينما المصرية مبكرًا من خلال فيلم «أنا الشرق» عام 1946، قبل أن يغادر إلى فرنسا ويواصل بناء تجربته الفنية هناك، ثم عاد إلى مصر في منتصف السبعينيات ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته، سرعان ما جعلته واحدًا من أبرز نجوم السينما المصرية. وقدم راتب خلال مسيرته مجموعة واسعة من الشخصيات، ولم يحصر نفسه في نمط واحد، فبرع في أدوار الشر والشخصيات المركبة كما تألق في الأدوار الإنسانية والاجتماعية، وشارك في أفلام مهمة مثل «الصعود إلى الهاوية»، و«البداية»، و«حب في الزنزانة»، و«طيور الظلام»، كما ظهر في أعمال عالمية من بينها الفيلم الشهير «لورانس العرب»، إلى جانب مشاركته في السينما الفرنسية والتونسية.
ولم تقتصر بصمته على السينما، إذ ترك جميل راتب حضورًا لافتًا في الدراما التلفزيونية والمسرح، وارتبط الجمهور العربي بشخصيات قدمها ببراعة، من بينها «مفيد أبو الغار» في «الراية البيضا»، و«جدو أبو الفضل» في «يوميات ونيس»، إلى جانب مشاركته في أعمال مثل «زيزينيا» و«وجه القمر». كما خاض تجربة الإخراج المسرحي، وقدم عددًا من المسرحيات، بينها «الأستاذ» و«زيارة السيدة العجوز» و«شهرزاد».
وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، حافظ جميل راتب على حضوره باعتباره فنانًا صاحب شخصية وأسلوب خاص، بعيدًا عن الاستعراض، حتى أصبحت ملامحه وصوته وأداؤه الهادئ علامات مميزة في ذاكرة الجمهور. ورغم وصوله إلى مكانة فنية كبيرة، ظل يتعامل مع التمثيل باعتباره شغفًا حقيقيًا قبل أن يكون مهنة، وهي الرحلة التي انتهت برحيله في 19 سبتمبر/ ايلول 2018 عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا امتد بين مصر وفرنسا والعالم العربي، وجعل اسمه حاضرًا كلما استعيدت تجارب الفنانين الذين صنعوا لأنفسهم مكانة تتجاوز حدود الشهرة.


























