في ظل الأجواء الصعبة التي يعيشها لبنان وارتفاع أصوات الحرب، يبرز في بلدة بيت مري صوت مختلف، تصنعه آلات النفخ والإيقاع وتتخلله ضحكات الأطفال، في مشهد يجمع موسيقيين لبنانيين بأساتذة قدموا من دول عدة.
ويأتي هذا المشهد ضمن المخيم الدولي الصيفي لموسيقى الفرق (ISBC)، الذي تنظمه الجمعية اللبنانية لنشر الموسيقى الأوركسترالية (LeBAM) للسنة العاشرة، في تجربة لا تقتصر على تعليم الموسيقى، بل تهدف إلى خلق مساحة للتلاقي والتفاعل والاندماج.
ويشارك في المخيم أكثر من 110 أشخاص على مدى ثمانية أيام، بينهم أطفال وشباب، وموسيقيون من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب أساتذة من الولايات المتحدة واليونان وقبرص ورومانيا، فضلاً عن أشخاص من ذوي الحاجات الخاصة. ويتلقى المشاركون تدريبات مكثفة على آلات النفخ والإيقاع، قبل اختتام المخيم بحفل موسيقي.
وتحمل مشاركة الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة رسالة أساسية بالنسبة إلى الجمعية، مفادها أن الموسيقى حق للجميع، وأنها قادرة على فتح مساحة للدمج وتعزيز الثقة بالنفس والتواصل بين المشاركين، بعيداً عن أي اختلافات.
ومن بين المشاركين مريم، البالغة 24 عاماً، التي انضمت إلى LeBAM قبل 11 عاماً وبدأت رحلتها الموسيقية مع آلة الترومبيت. وبعد سنوات من التجربة، أصبحت اليوم من الأعضاء الأقدم في الجمعية، وتحرص على دعم الأطفال الذين يخوضون التجربة نفسها التي عاشتها في بداياتها.
أما جوزف، البالغ 11 عاماً، فوجد في المخيم فرصة لتعلم الموسيقى والتعرف إلى أصدقاء يشاركونه الشغف نفسه، ومن بينهم جيروم، الذي يعزف آلة مختلفة، إلا أن ذلك لم يمنعهما من الاجتماع على عزف أغنية «Bella Ciao».
وتعود فكرة تأسيس الجمعية اللبنانية لنشر الموسيقى الأوركسترالية إلى حلم قديم لدى مؤسسها النائب السابق والمحامي غسان مخيبر، الذي بدأ تعلم آلة الأوبوا عام 1977 قبل أن يضطر إلى التوقف بسبب غياب البيئة الموسيقية المناسبة في لبنان.
وفي عام 2008، قرر مخيبر، إلى جانب الراحل غسان تويني والدكتور وليد غلمية، تأسيس الجمعية انطلاقاً من إيمان بأن الموسيقى ليست فناً فحسب، بل وسيلة للتربية على المواطنة والتعاون والاستماع إلى الآخر.
وعلى مدى السنوات، توسع نشاط الجمعية من بيت مري إلى مناطق لبنانية عدة، بهدف إتاحة الفرص الموسيقية أمام الشباب في المناطق التي لا تتوافر فيها الأنشطة الثقافية بالقدر نفسه الموجود في العاصمة. إلا أن الأزمات الاقتصادية والأمنية التي مر بها لبنان أثرت في نشاط الجمعية، قبل أن تعود تدريجياً إلى تنظيم برامجها.
وفي دورته العاشرة، يواصل المخيم تقديم نموذج مختلف عن الحياة الثقافية في لبنان، حيث تتحول الموسيقى إلى مساحة تجمع الأجيال والفئات المختلفة، وتمنح المشاركين فرصة للتعلم والتواصل وصناعة الجمال، في مواجهة واقع مثقل بالأزمات.






















