في أمسية حملت عنوان "An Evening of Symphonic Masterpieces"، التقت الذاكرة بالموسيقى في الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت، بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس، وأحيت الأمسية الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو هاروت فازليان، في لقاء جسّد استمرار الحياة الثقافية في بيروت، ورسّخ مكانة الأوركسترا كإحدى أبرز المؤسسات الفنية الحافظة للإرث الموسيقي اللبناني والعالمي.
واستُهلت الأمسية بكلمة ألقتها القواس، رحّبت فيها بعودة المايسترو هاروت فازليان إلى قيادة الأوركسترا، معربة عن شوق العازفين للعمل معه مجدداً. كما استعرضت البرنامج الموسيقي الذي ضم أعمالاً لآرام خاتشاتوريان، والسمفونية الخامسة لبيتهوفن، والحركة الثالثة من السمفونية الرابعة "الشهيد" للمؤلف اللبناني الراحل الدكتور وليد غلمية.
وتوقفت القواس عند الذكرى الخامسة عشرة لرحيل غلمية، مشيرة إلى دوره المحوري في إعادة بناء الكونسرفتوار الوطني بعد الحرب، مؤكدة أن المؤسسة كانت تخطط لإقامة احتفال تكريمي كبير يليق بإرثه، إلا أن الظروف التي مر بها لبنان حالت دون ذلك. وأضافت أن المايسترو فازليان رفض تأجيل هذه التحية، وفضّل أن يكرّم غلمية من خلال قيادة الحركة الثالثة من سمفونية "الشهيد"، في زيارة خاصة عاد خلالها من دبي للمشاركة في هذه الأمسية.
كما ربطت القواس بين السمفونية الخامسة لبيتهوفن وسمفونية "الشهيد"، معتبرة أن مفهوم الشهادة في رؤية وليد غلمية يتجاوز معناه التقليدي، ليعبّر عن الإنسان الذي يكرّس حياته لقضية يؤمن بها. وأشارت إلى أن غلمية كرّس حياته للموسيقى، تاركاً إرثاً سمفونياً يعد من أبرز ما كُتب في الموسيقى العربية.
وأعلنت القواس أيضاً انطلاق فعاليات "عيد الموسيقى" في مختلف المناطق اللبنانية، معربة عن أملها في أن تعم الموسيقى الساحات والطرقات والمحميات، ومؤكدة أن الفن يبقى أحد أبرز وجوه لبنان الحضارية.
وعلى المسرح، قاد المايسترو هاروت فازليان الأوركسترا بثقة وحساسية فنية عالية، مقدماً قراءة موسيقية متوازنة جمعت بين الدقة الأكاديمية والبعد التعبيري، ما انعكس انسجاماً واضحاً بين مختلف أقسام الأوركسترا.
وافتُتح البرنامج بمتتالية باليه "غايانه" للمؤلف الأرمني آرام خاتشاتوريان، التي تضمنت "رقصة السيوف"، و"رقصة العذارى"، و"مناجاة عائشة"، و"رقصة الليزغينكا"، حيث برزت الحيوية الإيقاعية والألوان الأوركسترالية التي ميّزت هذا العمل، وسط أداء لافت للأوركسترا بقيادة فازليان.
بعدها، انتقل الجمهور إلى واحدة من أشهر روائع الموسيقى الكلاسيكية، وهي السمفونية الخامسة لبيتهوفن، التي حملت في حركاتها الأربع رحلة موسيقية تبدأ بمواجهة القدر وتنتهي بانتصار الإرادة الإنسانية، وقد نجحت الأوركسترا في إبراز التدرج الدرامي للعمل، من التوتر في الحركة الأولى، إلى الهدوء النسبي في الثانية، ثم التصاعد في الثالثة، وصولاً إلى الخاتمة المضيئة التي قادتها الآلات النحاسية بقوة وإشراق.
واختُتمت الأمسية بالحركة الثالثة "حرية" من السمفونية الرابعة "الشهيد" للدكتور وليد غلمية، وهي حركة استند فيها المؤلف إلى النوتات الخمس الأولى من لحن فولكلوري عراقي، ليبني عملاً موسيقياً يجسد مفاهيم الحرية والنهوض. وقدمت الأوركسترا هذا العمل بروح وفاء لمؤلفه، الذي يُعد أحد أبرز مؤسسي النهضة السمفونية في لبنان والرئيس الأسبق للكونسرفتوار الوطني.
وأكدت الأمسية في ختامها أن الموسيقى لا تزال تشكل مساحة للذاكرة والإبداع، ورسالة ثقافية تتجاوز الأزمات، لتبقى بيروت حاضرة على خريطة الفن، مدينةً تنبض بالحياة والإبداع رغم كل التحديات.





































