في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، يبرز الذكاء الاصطناعي كلاعب جديد في المنظومات القضائية، يَعِدُ بتسريع الفصل في القضايا ورفع كفاءة العدالة، لكن من دون أن يخلو من تحديات قانونية وأخلاقية تستدعي الحذر والتنظيم.
أكد المحامي حمد اليافعي أن الذكاء الاصطناعي بات أحد أبرز ملامح الثورة التقنية الحديثة، مشيرًا إلى أن العديد من الأنظمة القضائية حول العالم بدأت فعليًا في دمجه ضمن إجراءاتها، لما يوفره من سرعة في إنجاز القضايا ودقة في معالجة الملفات.
وأوضح اليافعي أن هذه التقنية يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في القضايا البسيطة والمتكررة، مثل المنازعات قليلة القيمة، والقضايا الحسابية كالمواريث والبنوك، إضافة إلى منازعات الأجور، وقضايا المرور، وبعض الأعمال الولائية المتعلقة بالإذن أو التصديق، معتبرًا أن الاعتماد عليها في هذه المجالات عملي وفعّال ويوفر وقتًا وجهدًا كبيرين.
وأشار إلى أن دور الذكاء الاصطناعي في القضايا المعقدة يجب أن يظل مساعدًا للقاضي لا بديلًا عنه، مؤكدًا أن هذه التقنية تسهم في تقليل الأخطاء البشرية، وتسريع وتيرة الفصل في القضايا، وتعزيز الشفافية، فضلًا عن قدرتها على العمل المستمر والتعامل مع كميات هائلة من البيانات.
وبيّن اليافعي أن أتمتة الأعمال الروتينية من شأنها أن تمنح القضاة مساحة أوسع للتركيز على الجوانب الموضوعية والجوهرية في القضايا الكبرى والمعقدة، ما ينعكس إيجابًا على جودة الأحكام.
وفي المقابل، حذّر من مخاطر محتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء، أبرزها احتمالية الانحياز الناتج عن بيانات غير متوازنة، أو وقوع أخطاء تقنية قد تقود إلى قرارات غير دقيقة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالخصوصية وحماية حقوق المتقاضين. ولفت إلى أن الإفراط في الاعتماد على هذه التقنية قد يؤثر سلبًا على ثقة المجتمع بالمنظومة القضائية.
وشدد اليافعي على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في القضاء مرهون بوضع إطار تشريعي متكامل يحدد بدقة نطاق استخدامه، ويضمن توفير الضمانات اللازمة لحماية العدالة وحقوق الإنسان، مع ضرورة مراعاة المبادئ الأساسية للتقاضي، وفي مقدمتها حق الدفاع وحق المواجهة، بما يحفظ ركائز النظام القضائي ويصون نزاهته.