ضمن فعاليات "المنتدى الدولي للتعاون"، الذي عُقد في موسكو، احتفاءً بالذكرى المئوية لتأسيس النظام الروسي للدبلوماسية الشعبية، تسلمت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان، المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس، وساماً رفيعاً، يؤكد على دورها المحوري في تعزيز العلاقات الثقافية الدولية.
مُنحت هبة القواس "وسام الشرف من الوكالة الفيدرالية لشؤون رابطة الدول المستقلة، والمواطنين المقيمين في الخارج، والتعاون الإنساني الدولي ("روسوترودنيتشيستفو")"، وقد نالت القواس هذا التقدير تحت عنوان: "من أجل الصداقة والتعاون لتعزيز التفاهم المتبادل بين الأمم"، الذي مُنح لها بشكل خاص عن دورها الكبير في هذا الإطار. وقد تسلم المكرمون الباقون الجائزة تحت عناوين أخرى، كلّ بحسب مكانته ودوره وإنجازاته.
يُعتبر هذا التكريم جائزة كبيرة لم تُمنح إلا لعدد قليل جداً من الشخصيات المؤثرة عالمياً، وقد جرى حفل التكريم ومنح الأوسمة ضمن احتفالية مميزة أقيمت في مسرح البولشوي الشهير، حيث كانت القواس المدعوة الوحيدة من لبنان والعربية الوحيدة المحتفى بها من ضمن "المدعوين الذهبيين" العشرين بين 2000 مدعو للمنتدى.
عُقد المنتدى بتوجيهات من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتم تنظيمه بالتعاون بين "روسوترودنيتشيستفو"، ومؤسسة "روسكونغرس"، والجمعية الروسية "المعرفة"، والمركز الوطني "روسيا"، وبدعم من المجلس الرئاسي لتنمية المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
أكثر من 2000 مشارك من النخب السياسية والثقافية والفنية والدبلوماسية والروحية اجتمعوا في هذا الحدث، وهم يمثلون أكثر من 112 دولة من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. حضر المنتدى شخصيات روسية رفيعة المستوى، من بينها المستشار التعليمي للرئيس بوتين والمدير التنفيذي لـ"روسوترودنيتشيستفو" يفغيني بريماكوف، والمتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا.
خلال افتتاح المنتدى، قرأ فاليري ألكساندروفيتش فادييف، مستشار الرئيس الروسي، كلمة ترحيبية من الرئيس بوتين، أكد فيها على أن الدبلوماسية العامة تولي أهمية قصوى للحفاظ على الذاكرة التاريخية للحرب الوطنية العظمى، وحماية القيم الأخلاقية، ومكافحة النازية الجديدة والاستعمار الجديد. وخاطب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الحضور والمشاركين بتهنئة عبر كلمة مصورة. وكذلك قداسة كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا، الذي توجه بالتهنئة للمنتدى عبر الفيديو.
شهدت الجلسة التي حملت عنوان "حوار الثقافات في القرن الحادي والعشرين: التفرد أم العالمية؟" في المركز الوطني "روسيا"، مشاركة هبة القواس كمتحدثة إلى جانب نخبة من الشخصيات الفنية والثقافية، منهم: رئيس المعهد الروسي للفنون المسرحية (جيتيس) غريغوري زاسلافسكي، ورئيسة شركة "ألكيبولاند ستوديوز" تاريرو منانغاغوا، والمدير العام للمتحف الوطني للموسيقى ميخائيل بريزغالوف، وقائد الأوركسترا فابيو ماسترانجيلو، المدير الفني لمسرح "في. آي. شاليابين" الموسيقي. وكان لمداخلة هبة القواس أصداء مؤثرة في الحضور الذين تفاعلوا كثيراً مع طرحها، فكانت من بين أبرز المتحدثين في الجلسة لما حملت مداخلتها من أبعاد إنسانية ووجدانية وثقافية، وما أبرزته من مواجهة للتحديات الكبرى التي ذللتها في أثناء قيادتها للمعهد الموسيقي، وما نتج عنها من استرتيجيات ناجحة للنهوض بالكونسرفتوار الوطني، وأيضاً من خلال علاقة الصداقة والانفتاح مع روسيا وموسيقييها.
تركزت مداخلة القواس، والتي جاءت بعنوان "العلاقات اللبنانية–الروسية في سياق تبادل الخبرات في مجال الموسيقى"، على التجارب الناجحة في التعاون الفني ودورها المحوري في تعزيز الفهم الثقافي المشترك بين البلدين. وأكدت أن الدبلوماسية الشعبية هي واقع ملموس يُترجم في التعاون الثقافي المستمر والمباشر بين الشعوب.
وشددت القواس على قوة الثقافة والموسيقى في تجاوز الأزمات وقالت: "الأمر يتجاوز الحروب، ويتجاوز الأزمات الاقتصادية، ويتجاوز كل ما نسميه شراً حول العالم، عندما يتعلق الأمر بالثقافة والموسيقى، في النهاية الثقافة هي من تنتصر على كل شيء. لذا، فالأمر يتعلق دائمًا بتطور الإنسانية وتقدمها. وأعتقد أنه من العبقرية أن يكون لدينا مثل هذا المنتدى (المستمر) منذ 100 عام، وكان موجودًا حتى قبل أن يبدأ الحديث عن هذا النوع من الدبلوماسية حول العالم".
أما عن علاقتها الشخصية العميقة مع الفن الروسي، فقالت: "أنا مؤلفة ومغنية سوبرانو. ولقد بدأت قصتي مع روسيا كعازفة منذ سن مبكرة جداً. ولاحقاً عندما تبوأت مكانتي في عالم الموسيقى وأصبحت معروفة في العالم، عزفت أوركسترا البولشوي موسيقاي ورافقتني في الغناء في حفلات لي. روسيا مثل عطر جميل، لا تحتاج للبحث عنه في الموسيقى. إنها روسيا بجميع مؤلفيها، وتقنيات ومنهجيات الموسيقى لديها، إنها حاضرة أينما كان".
وتحدثت القواس عن التحديات غير المسبوقة التي واجهتها بعد توليها مسؤولية رئاسة المعهد في ظل الأزمة اللبنانية (الانهيار الاقتصادي، جائحة كوفيد، انفجار المرفأ) حين توقفت الأوركسترا وغادر الموسيقيون. وكشفت عن استراتيجيتها الإنقاذية:
"عندما توليت المسؤولية، كان الراتب للموسيقيين 20 دولاراً بسبب الانهيار والتضخم. ومن هنا بدأت بالسير في استراتيجية إنقاذ المعهد، فكان أحد أهم الأماكن التي توجهت إليها بأفكاري، هو روسيا".
وشددت على أن التقنيات الروسية في الفنون والموسيقى أحدثت "ثورة حقيقية" أثرت في كل معهد وأوركسترا حول العالم. ولذلك، كانت روسيا في سلم الأولويات لإعادة بناء المعهد:
"كانت أولى الخطوات التي قمت بها، أن وجهت نداءً إلى جميع أنحاء العالم لاستدعاء الموسيقيين إلى لبنان، وإلى الروس بطبيعة الحال، خصوصاً من خلال علاقاتنا وصداقتنا مع سعادة السفير الروسي في لبنان، ومع البيت الثقافي الروسي أيضاً. ولأن لبنان كان مصنفاً كمنطقة حمراء بسبب الحرب والوضع الأمني فيه آنذاك، منعت أوروبا مواطنيها من القدوم إليه. ولكن الموسيقيين الروس كانوا الوحيدين الذين تخطوا الحظر وظروف الحرب وأتوا إلى لبنان رغم كل شيء. لذلك، سيبقى التعاون المقبل في هذا الإطار مع جميع دول العالم، لكننا سنخصص لروسيا وموسيقييها كوتا خاصة حتى عندما تتحسن الأوضاع في لبنان وتعود كالسابق".
وختمت بالإشارة إلى أحدث ثمار هذا التعاون: "قبل شهرين، أتينا إلى موسكو تحت قيادة يوري باشميت وافتتحنا "مهرجان روسيا العالمي لأوركسترات الشباب" مع الأوركسترا الوطنية اللبنانية للشباب التي أبدعت في حفل الافتتاح وفي اختيار موسيقيين منها لحفل الختام، رغم حداثة سن هذه الأوركسترا. هذه العلاقة، الصداقة الجميلة بين لبنان وروسيا، تجمع بلدين معًا بالمحبة وتؤثر عليهما بشكل إيجابي، لمزيد من الجمال والمشاركة. وآمل أن تكون هذه هي البداية لمزيد من الإنجازات القادمة".
يُذكر أن برنامج مشاركة هبة القواس في المنتدى تضمن أيضاً سلسلة لقاءات رسمية مع كبار المسؤولين والفنانين الروس لمناقشة مشاريع موسيقية مشتركة مستقبلية. وتشمل هذه المشاريع تنظيم حفلات أوركسترالية مشتركة، وورش عمل تعليمية، وبرامج تبادل طلابي وفني، ما يعكس عمق العلاقات الثقافية بين البلدين ويجعل الدبلوماسية الشعبية أداة فاعلة للتقارب بين الشعوب.