عاشت بيروت ليلة موسيقية فريدة من نوعها، جمعت بين الفن والحنين والهوية والديبلوماسية الثقافية، حيث احتضنت كنيسة الآباء اليسوعيين في القديس يوسف – مونو، الأشرفية حفل الافتتاح الكبير للموسم الموسيقي الجديد للأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية.

وجاء هذا الحدث تحت عنوان "الموسيقى توحّد، الثقافات تحتفل"، ليكون مناسبة مزدوجة: احتفاءً بعودة المبدعين اللبنانيين المنتشرين في العالم إلى وطنهم الأم، وتحيةً لثمانين عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وجمهورية الأوروغواي.

الحفل، الذي رعته الدكتورة هبة القواس، رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، بالتعاون مع سفارة الأوروغواي في بيروت، شكّل مناسبة فنية وإنسانية لافتة أكدت دور الفنون في بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز التفاهم الثقافي، لاسيما في ظل العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين ووجود جالية لبنانية كبيرة في الأوروغواي.

أختير لهذه المناسبة المايسترو دييغو نصر، الأوروغوياني ذو الأصول اللبنانية، ليقود الأوركسترا في أول عودة له إلى أرض أجداده. وبهذا، تحوّل الحفل إلى ما يشبه اللقاء الرمزي بين الوطن والاغتراب، بين الجذر والسماء، حيث جسّد نصر من خلال عصاه الموسيقية معنى العودة والحنين والهوية.

في كلمتها الافتتاحية، ألقت القواس خطابًا شاعريًّا مؤثرًا قالت فيه:

“ثمانون عامًا من العلاقة مع الأوروغواي ليست مجرد اتفاقيات، بل إشارة إلى أنّ البعيد أقرب مما نظن، وأن الهوية لا تُختصر بالإقامة بل تُكتب في الهجرة واللقاء”.

وأضافت: “ها هو دييغو نصر يعود اليوم إلى أرض أجداده، لا كضيف، بل كصوت عائد من الذاكرة”.

وأكدت القواس أن هذا الموسم سيحمل محطات بارزة في مسيرة الكونسرفتوار، منها افتتاح أقسام جديدة، وتنظيم مسابقات دولية للمواهب اللبنانية الشابة، وتحديث المناهج الأكاديمية بهدف تحقيق الاعتماد الدولي.

كما شددت على أن “الجمهور لن يكون متلقياً فقط، بل شريكاً في المعرفة والفن”، مشيرة إلى أن لبنان يستحق أن يطمح دائماً إلى ما يتجاوز الممكن.

بدوره، عبّر القائم بالأعمال في سفارة الأوروغواي خورخي دوتا عن سعادته بالمشاركة قائلاً: “يشرفني أن أكون جزءاً من هذا الافتتاح الموسيقي. نحن فخورون بالمايسترو دييغو نصر الذي يجسّد الروابط المتينة بين بلدينا، ويحتفي بثمانين عاماً من الصداقة بين لبنان والأوروغواي”.

تألقت الأوركسترا تحت قيادة نصر، مقدّمةً برنامجاً متنوعاً جمع بين الشرق والغرب، بين الكلاسيكيات الأوروبية والإيقاعات اللاتينية والأنغام اللبنانية المعاصرة.

شمل البرنامج أعمالًا لكل من هبة القواس، بيتهوفن، رودريغيز، مونكايو، ماركيز، وجيمينيز.

بدأت الأمسية بعمل القواس "لحظات في سُمنُس"، قطعة أوركسترالية تستكشف الحلم كرحلة موسيقية تجمع بين الحداثة الأوروبية والروح الشرقية. جسّد أداء الأوركسترا بقيادة نصر طابع العمل الحالم والعميق، حيث تداخلت الألوان الصوتية الغربية بالعربية في توازن دقيق، وصولاً إلى ذروة درامية مؤثرة.

ثم انتقلت الأوركسترا إلى السمفونية الخامسة لبيتهوفن، المعروفة بـ"سمفونية القدر"، حيث قدّم العازفون أداءً حيوياً دقيقاً أبرز براعتهم التقنية والتزامهم بالشكل الكلاسيكي والبعد التعبيري للعمل.

وفي القسم اللاتيني من الأمسية، انتقل الجمهور إلى أجواء أميركا الجنوبية مع مقطوعات مثل:

هوابانغو للمؤلف المكسيكي خوسيه بابلو مونكايو، التي عكست روح الاحتفال والحيوية.

دانزون رقم 2 لـ أرتورو ماركيز، حيث تألق عازف الكلارينيت في أداء منفرد أضفى على العمل بعداً إنسانياً رشيقاً.

لا كومبارسيتا لـ ماتوس رودريغيز، التي حملت الجمهور إلى شغف التانغو وحنين الأوروغواي.

إنترميتزو من زفاف لويس ألونسو لـ جيرونيمو خيمينيز، التي أضافت نكهة إسبانية مفعمة بالحيوية.

في ختام الأمسية، عبّر المايسترو نصر عن تأثره العميق بعودته إلى لبنان بعد انقطاع طويل، فيما كشفت الدكتورة القواس أن والده حضر الحفل للمرة الأولى في حياته إلى أرض أجداده، بعد أن فقد والده وهو طفل.

ثم استدعت القواس السيدة سحر بعاصيري سلام، عقيلة رئيس الحكومة اللبنانية وسفيرة لبنان السابقة في اليونيسكو، التي حيّت نصر ووالده، مشيدةً بدور القواس في استعادة المبدعين اللبنانيين من الانتشار إلى أرض الوطن.

وفي مشهد مؤثر، صعد والد المايسترو إلى المسرح ليحكي كيف زار بلدة الكورة بحثاً عن جذوره وعائلة أجداده، فوجد القبور والعائلة معاً، وكأن الزمن أعاده إلى نقطة الانتماء الأولى.

اختُتمت الأمسية بدعوة نصر إلى الاستماع إلى المقطوعة الأوروغويانية الشهيرة "لا كومبارسيتا"، في لحظة عبّرت عن روح الصداقة العميقة بين الشعبين.

وبأدائها الرفيع، أثبتت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية أن الموسيقى هي الوجه الأجمل للدبلوماسية الثقافية، وأن لبنان، رغم المسافات والأزمات، يظل وطن النغمة التي تجمع وتُلهِم وتعيد بناء الجسور بين القلوب والثقافات.